فلوبير ومصيره كمثال

خورخي لويس بورخيس
ترجمة: عدنان المبارك*

في مقال الغرض منه نفي عبادة فلوبير في إنكلترا أو التشكيك بها ، يعتبر جون ميدلتن موري J.Middleton Murry أن هناك فلوربيرين، أحدهما رجل كبير الحجم خشن العظام ولين العريكة أو بالأحرى طيب السريرة ذو مظهر و إبتسامة إنسان من الأقاليم قضى حياة مليئة بالعذاب والصعاب وينظر الى خزانة فيها نصف دزينة من كتب لم يتم إختيارها، والثاني عملاق بدون جسد، صرخة قتال، راية، رمز. أعترفُ بأني لا أفهم هذه المجابهة: فلوبير المتعب في عمل كتابي شحيح لكنه رائع فهو من الأسطورة، وإذا لا تضللنا الأجزاء الأربعة من مراسلاته، وكذلك الآخر من التأريخ. فلوبير ذاك الذي كان آدم نوع جديد من رجال القلم – كاهنا، ناسكا وشهيدا على وجه التقريب – هو أكبر من عمله المهم الذي خطط له وحققه.
لم تقدر أزمان ما قبل الميلاد التي لأسباب أذكرها الآن، على أن تنجب شخصية من هذا الطراز. وفي (إيون) نقرأ أن الشاعر هو شيء «خفيف مجّنح وقديس» – كائن ، ولقلنا عنه، مأخوذ – ولا يقدر على خلق أيّ شيء من دون كاريزما الإلهام . وهناك نظرية للروح مشابهة وهي تلهم أينما تشاء، وكانت معادية للإعتراف بالإستقلالية الخلقية لدى الشاعر الذي أنزل الى دور أداة وقتية في أيدي المعبود. و في مدن اليونان أو في روما لكان فلوبير غير مفهوم، إنسانا قد يكون قريبا حميما، وكما فهم وجسّد هو مهنة الأديب، لبندار Pindar» الشاعر – الكاهن» الذي يقارن قصائده الغنائية بالطرق المرصوفة المؤدية الى المباني، الى مد البحر وجزره، الى محفورات العاج و الذهب.
ومن المناسب أن تكمَل نظرية الإلهام «الرومانسية» المعترف بها من قبل الكلاسيين، بالتنبؤ الشائع في زمنه حول أن هوميروس قد استنفد الشعر، وفي كل الأحوال إكتشف شكله الأكمل – القصيدة البطولية. وكان ألكسسندر المقدوني يضع في كل ليلة قرب رأسه خنجرا والإلياذة، ويروي توماس دي كوينسي T. Quincey كيف أن قسّا إنكليزيا أقسم من على منبر الكنيسة بـ(سمو العذابات البشرية، وكبر المساعي البشرية ، وخلود الأعمال البشرية ، وبالإلياذه ، والأوديسه!) . إن غضب آخيل وصعاب عودة يوليسيس ليستا مواضيعا شاملة، وفي هذه المحدودية علقوا آمال السلف. وُيفرَض على الروايات الأخرى – دعاء ٌ تلو آخر، ومعركة تلو أخرى، تدخلٌ رباني تلو آخر- ومجرى و تركيبة configuraion الإلياذة، كانا الهدف الأهم للشعراء طوال عشرين قرنا. من السهل السخرية من ذلك لكن يكون أمرا أكثر صعوبة الهزء من الإنياذة – الثمرة الممتازة لهذه الجهود. وليمبرييه Lempriere ذو البصر الثاقب وضع فرجيل بين ورثة هوميروس الأكثر رفعة. وفي القرن الرابع عشر إعتقد بتراركا الذي كان قد قدّس المجد الروماني بأن في الحروب القرطاجية قد عثر على مادة دائمة للملاحم الشعرية، وتاسو Tasso من القرن السادس عشر أعجبته الحرب الصليبية الأولى. ولها كرس عملين. الأول (أورشليم المحرَّرة) حصل على شهرة غير زائلة، والثاني (أورشليم المفتوحة)، المنمذج وفق الإلياذة، بقي مجرد إثارة أدبية ضعفت فيه حميّة النص الأولي الذي هو إنفعالي في جوهره. و مثل هذا الضعف يعني إبادة النص. ففي (أورشليم المحررة – الفصل الثامن ، 23 ) نقرأ عن إنسان شجاع أصيب بجرح مميت لكنه لاينقاد للموت:
La vita no , ma la virtu sostenta
Quel cadavere indomito e feroce
لكن في الإسهاب paraphrase تختفي قوة التعبير والقِطْع الزائد hyperbola :
La vita no , ma la virtu sosenta
il cavaliere indomito e feroce

وفي أزمان أقرب منا كان ما يشغل ملتن Milton فكرة خلق قصيدة بطولية. ومنذ أن كان طفلا – ولربما قبل أن يكتب ولو بيتا واحدا – كان مؤمنا برسالته الأدبية. كانت خشيته أنه جاء الى الدنيا في بلاد شديدة البرودة وفي عصر متأخر جدا على الملحمة – بعيد للغاية عن هوميروس ، بعيد للغاية عن آدم – رغم ذلك كان يتدرب على فن العروض لسنوات طويلة، و يعمق معرفته في اللغات العبرية والإيطالية والفرنسية واليونانية القديمة، واللاتينية بالطبع. كان يؤلف الشعر السداسي الوزن: اللاتيني واليوناني والتوكساني. عاش زاهدا وشعر بأن اللازهد قد يدمر هبته الشعرية. وعندما أنهى الثالثة والثلاثين من العمر كتب أن على الشاعر نفسه أن يكون قصيدة ، أي شكلا ونموذجا أوليا archetype للأشياء الأكثر كمالا : لا يجرؤ الإنسان الذي ليس على قدر المقام أن يتغني ب( الناس البطوليين والمدن المشهورة ). كان يعرف بأن تحت قلمه يولد كتاب سوف لن يكون الموت مصيره، لكن مادة العمل لم تكن قد ظهرت بعد. وها هو يبحث عنها في matiere de Bretagne ، في كلا العهدين القديم والجديد. وعلى ورقة عابرة – اليوم هي « المخطوط من كامبردج « – يدوّن حوالي مائة من المواضيع الممكنة. وفي الأخير يختار سقوط الملائكة والإنسان ، كموضوع ذلك القرن التأريخي ولو أننا نرى فيه اليوم محض عقدة رمزية أو ميثولوجية «3».
تكرس ملتن وتاسو وفرجيل لممارسة الشعر. وكان فلوبير أول من تكرس – وأنا أمنح الكلمة معنى إشتقاقيا etymological دقيقا – لخلق عمل أستيتيكي صرف لكن نثراً. في تأريخ الأدب يكون النثر متأخرا على الشعر، وهذه المفارقة قد غذت طموح فلوبير. ويكتب « النثر ولد بالأمس، والشعر هو شكل متفوق للآداب القديمة. لقد نفدت طاقة التوليفات الوزنية، أما في النثر فالحال مختلفة»، وفي مكان آخر يكتب: «الرواية تنتظر هوميروسها».
تشمل قصيدة ملتن السماء والجحيم والعالم والفوضى، لكنها تبقى إلياذة ، إلياذة كونية ، في حين أن فلوبير لم يرد أن يستنسخ بل أن يعلو على النموذج القائم. لقد إعتبر أن كل شيء يمكن التعبير عنه بطريقة واحدة حسب وواجب الكاتب أن يعثرعليه. الكلاسيون والرومانسيون خاضوا خلافات عاصفة ، وبرأي فلوبير لكانت هزائمهم تختلف إلا أن النجاحات كانت نفسها للفريقين ، ولأن الحق هو دائما الى جانب الجمال ، وشعر بوالو Boileau ، الجيد هو شعر هيغوHugo ، الجيد. كان مؤمنا بالترخيم Euphony والدقةprecision ، وكان يدهش ل» العلاقة الضرورية المتبادلة بين الكلمة الصائبة والأخرى الموسيقية «. وقد يحشر كاتب آخر غيره هذه الخرافة اللغوية في بنىً لعلم النظم prosody سيئة نحوياً ، و لعلم النحو العائد للهجة ما dialect غريبة. وفلوبير تفادى هذا الشيء ، فما أنقذه من خطر النظريات هو إستقامته المطلقة. وبكل دقة لم يتخل عنها حين تعقب الكلمة الصحيحة mot juste التي لا تطرد العبارات الشائعة التي تتعرض للتشويه في الكلمة النادرة mot rare المنفوخة لدى الرمزيين.
يقول التاريخ إن لاو- تسي الشهير رغب في أن يعيش مجهولا لايعرفه أيّ أحد ، بدون إسم ، ونفس الرغبة في المجهولية ونفس الشهرة تحددان مصير فلوبير. أراد أن يكون في كتبه غير مرئي كما الرب في أعماله ، و جوهر الأمر هنا أنه لو لم نعرف مسبقا أن نفس القلم خلق (سالامبو ) و ( مدام بوفاري ) لما حزرنا ذلك أبدأ. إلا أنه من الصعب نكران أن التفكير بعمل فلوبير هو التفكير بفلوبير نفسه، بكاتب الدفاتر التي لا تحل ألغازها، والمعذب بشكوك وتصحيحات لانهاية لها. إن دون كيخوته وسانتشو بانزا هما أكثر فعلية من الجندي الإسباني الذي إخترعهما، لكن أيَّ شخصية من فلوبير ليست فعلية كما فلوبير. وهؤلاء الذين يجزمون بأن اكبر عمل من أعماله هو «الرسائل» بمكنتهم التدليل على أنه في الكتب الجريئة يتكشف مصيره.
وهذا المصير لايزال مضرب الأمثال كما كان لدى الرومانسيين مصير بايرون. ونحن ندين بالفضل على محاكاة تقنية فلوبير ل( إبن العم بازليو ) و( قصة أختين ). و يتكرر مصيره متساميا بصورة غامضة ومتبدلا في مصير مالارميه الذي تعكس كلمته :» كل ما هو موجود في العالم الغرض منه إنهاء كتاب « ، كما يتكرر إيمان فلوبير في مصير مور Moore وهنري جيمس وفي ذلك الأيرلندي المعقد وغير المفهوم الذي تخيّل (يوليسيس).

* روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة