قياس قيمة المجانية

تشارلز بين
نائب المحافظ السابق للسياسة النقدية و كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا
تُعَد الإحصاءات الاقتصادية الجديرة بالثقة من المنافع العامة الحيوية. فهي تشكل ضرورة أساسية لصنع السياسات الفعّالة، وتخطيط الأعمال، وتمكين جمهور الناخبين من إخضاع صناع القرار للمساءلة.
ومع هذا فإن الأساليب التي نستخدمها لقياس اقتصاداتنا أصبحت عتيقة بالية على نحو متزايد. الواقع أن الأعراف الإحصائية التي نبني عليها تقديراتنا بدأ العمل بها قبل نصف قرن من الزمن، في وقت حينما كان الاقتصاد ينتج سلعا مادية متماثلة نسبيا. أما اقتصاد اليوم فهو مختلف تمام الاختلاف وسريع التغير ــ نتيجة للإبداع التكنولوجي، وارتفاع قيمة الأصول غير المادية القائمة على المعرفة، وتدويل النشاط الاقتصادي.
في ضوء هذه التحديات، طلب مني وزير خزانة المملكة المتحدة جورج أوزبورن قبل عشرة أشهر أن أتولى تقييم الاحتياجات الإحصائية الحالية والمستقبلية في المملكة المتحدة. وفي حين رَكَّز بحثي على المملكة المتحدة، فإن التحديات المرتبطة بإنتاج إحصاءات اقتصادية عالية الجودة هي ذاتها في العديد من البلدان.
تسببت التطورات التكنولوجية الحديثة في تغيير الطريقة التي يدير بها الناس حياتهم جذريا، سواء في العمل أو اللهو. وقد أدى التقدم الطارئ على القدرة الحاسوبية والذي تقوم عليه الثورة الرقمية ليس فقط إلى التحسن السريع للجودة والإبداع المرتبط بالمنتجات، بل وأيضا إلى ظهور سبل جديدة قائمة على الاتصال لتبادل وتقديم الخدمات.
ينبع أحد التحديات المهمة بشكل خاص والتي تواجه القياس الاقتصادي من حقيقة مفادها أن حصة متزايدة من الاستهلاك تشمل المنتجات الرقمية التي يجري تسليمها بالمجان أو تمول من خلال وسائل بديلة، مثل الإعلان. ورغم أن السلع الافتراضية المجانية تمثل قيمة واضحة للمستهلكين، فإنها تستبعد تماما من الناتج المحلي الإجمالي، بما يتفق مع المعايير الإحصائية المقبولة دوليا. ونتيجة لهذا، فإن قياساتنا ربما لا تعبر عن حصة متزايدة من النشاط الاقتصادي.
ولنتأمل هنا صناعة الموسيقى. فقد حلت خدمات نسخ الملفات والبث الحر إلى حد كبير محل الأقراص المدمجة، التي كانت الوسط التخزيني المهيمن في تسعينيات القرن العشرين. ورغم هذا لم يأت المال؛ بل انخفضت عائدات الصناعة وهوامشها. ونتيجة لهذا، فربما كان إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي (كما نقيسه حاليا) في انحدار، حتى برغم زيادة كم الخدمات وجودتها.
وبوسعنا أن نستعين بطريقتين للحصول على تقدير تقريبي لكم النشاط الاقتصادي الرقمي الذي تفشل قياساتنا في التعبير عنه. فيمكننا أن نستخدم متوسط الأجور لتقدير قيمة الوقت الذي ينفقه الناس على الإنترنت في استخدام المنتجات الرقمية المجانية، أو يمكننا ضبط ناتج خدمات الاتصال لحساب النمو السريع في معدلات استخدام الإنترنت. ويشير كل من النهجين إلى أن احتساب هذه الأنماط من الأنشطة ربما أضاف بين ثلث إلى ثلثي نقطة مئوية إلى متوسط معدل النمو السنوي لاقتصاد الولايات المتحدة على مدى العقد الماضي.
كما تعمل الثورة الرقمية على تعطيل نماذج الأعمال التقليدية. إذ تعمل تكاليف البحث والمضاهاة المنخفضة التي توفرها مجموعة من المنصات الإلكترونية على الإنترنت على فتح سوق المهارات (وهو ما يُعرَف باسم «الاقتصاد غير التقليدي») وسوق الأصول غير المستقلة (ما يعرف باسم «اقتصاد المشاركة»). وهذا أيضا يتسبب في إيجاد تحديات مفاهيمية وعملية متصلة بالقياس في مواجهة حسابات الناتج المحلي الإجمالي. والواقع أن التمييز الإحصائي التقليدي بين الشركات المنتجة والأسر المستهلكة لا يترك مجالا كبيرا للنظر إلى الأسر باعتبارها خالقة للقيمة.
وقد تبين أن قياس الناتج المحلي الإجمالي أشبه بمحاولة إصابة هدف متحرك. ومن المرجح أن نشهد في أعقاب الثورة الرقمية موجة أخرى من التكنولوجيا المعَطِّلة للنظم القديمة، بما في ذلك التقدم في علوم المواد، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الجينية. ولكن مع تطور الاقتصاد، لابد أن يتطور أيضا الإطار المرجعي للإحصاءات التي نستخدمها لقياسه.
ونتيجة لهذا فإن المعايير الإحصائية المتفق عليها دوليا سوف تظل عتيقة بعض الشيء أو غير مكتملة دائما تقريبا، لأنها من المحتم أن تتخلف عن التغيرات الطارئة على الاقتصاد. وينبغي لمكاتب الإحصاء الوطنية أن تستكشف قضايا القياس التي تذهب إلى ما هو أبعد من المعايير السائدة، لا أن تستخدم الامتثال كعذر لفشلها في الإبتكار.
يتمثل أحد الحلول في إنشاء برنامج مستمر للبحث في الآثار المترتبة على قياس الاتجاهات في الاقتصادات الناشئة، وإدارة دراسات لمرة واحدة في مستهل الأمر لقياس أهميتها الكمية المحتملة. ومن الممكن الاستفادة من هذا بعد ذلك في توجيه عمليات تطوير إحصاءات تجريبية تعبر عن الظواهر الجديدة.
توفر التقنيات الجديدة لجمع وتحليل البيانات الضخمة، مثل استخراج البيانات من شبكة الإنترنت، واستخراج النصوص، والتعلم الآلي، الفرصة للقائمين على الإحصاء. وتحتفظ الحكومات بالفعل ببعض البيانات الإدارية، ولكن استخدامها لأغراض إحصائية كثيرا ما يتطلب إدخال تغييرات على التشريعات. وفتح هذا الكنز من المعلومات من شأنه أن يعمل على توسيع العينات الإحصائية إلى أحجام تكاد تقترب من التعداد السكاني، وزيادة حسن توقيتها ودقتها، والحد من تكاليف المستجيبين للشركات والأسر.
يشكل ضمان دقة البيانات في عكس الاقتصاد المتغير واحدة من أصعب المهام التي تواجهها المعاهد الإحصائية الوطنية في مختلف أنحاء العالم. ولا يتطلب النجاح فهم حدود القياسات التقليدية فحسب، بل وأيضا إنشاء قوة عمل دقيقة ومحبة للاستطلاع وعلى استعداد لانتقاد ذاتها حتى يتسنى لها أن تتعاون مع الشركاء في الأوساط الأكاديمية، والصناعة، والقطاع العام، والمعاهد الإحصائية الوطنية الأخرى، لتطوير طرق أكثر ملاءمة.
والمملكة المتحدة ليست وحدها بأي حال في مواجهة هذه التحديات. ولكن يتعين علينا أن نتحرك بسرعة. وإلا فإن سرعة التغيرات الاقتصادية كفيلة بجعل بياناتنا الإحصائية غير متصلة بالحياة العصرية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة