الأخبار العاجلة

نكبة البرلمان

في الوقت الذي هجرت فيه المجتمعات والامم التي تخصبت على تضاريسها المفردات والمفاهيم الحديثة عن الانتفاضة و الثورة وغير ذلك من الصقالات التقليدية لاعادة البناء،تلك البضائع التي انتهت صلاحيتها بفعل التقنيات الحديثة لفك الاشتباكات والنزاعات الداخلية والخارجية؛ يتلقف البعض من سكان هذا الوطن المنكوب مثل تلك الكبسولات بوصفها بديلاً عما اهدتهم اياه الأقدار العابرة للمحيطات من تقنيات مجربة في هذا المجال أي (الصناديق وملحقاتها من مدونات). مثل هذه الدقلات الخطرة، تستند الى كثبان من الجهل والتجهيل المبرمج، والذي وضع العراق واهله في موقع لا تحسدهم عليه قبائل الجنجويد. من دون بوصلة ووعي بتحديات عالم اليوم الواقعية، لا يمكن انتظار حصول اية خطوة على طريق الاصلاح والتغيير، ومن يتابع خطابات وتصريحات الكتل المتنفذة وزعاماتها وممثليها، سيدرك سريعاً نوع الهاوية التي تنتظرنا مع مثل هذه المخلوقات. طبعاً هؤلاء يعكسون بصدق ودقة امكاناتنا الواقعية، وهذا ما يمكن ان نطلق عليه بـ (مكر الصناديق) حيث اسقطت المساحيق والادعاءات الزائفة عن ملامحنا الحقيقية.
علينا ان نستعير شيء من الصدق والشجاعة والوعي المؤلم؛ لنقف وجها لوجه امام هذه الحقيقة، بعيداً عن الهوسات التي تنتظر “اهتزاز الشوارب”. لقد حذرنا مرارا وتكرارا من خطورة ما خلفته القوافل والتجارب الهمجية من فضلات سامة، وحاولنا اثارة الهمم للتصدي المعرفي والثقافي لذلك الاحتياطي الهائل من تقاليد العبودية والخنوع وسي فور (نفذ ثم ناقش) لكن محاولاتنا اليتيمة ضاعت وسط صخب وضجيج القوافل الغابرة والثارات الصدئة. ومع كل ذلك نحن ندرك واقعية مثل تلك التداعيات، والتي تزيدنا اصرارا على الثبات في هذا الطريق، فمن دون الوعي لا يمكن انتظار حصول تحولات تنتصر للانسان وكرامته وحرياته. ان نكبة البرلمان الأخيرة وما رافقها من مشاهد تتنافر وكرم منظومة الصناديق التي اتاحت لنا حرية التعبير عن آراءنا والاقتراع لمن نجده ممثلا جديراً لآمالنا وتطلعاتنا؛ قد فضحتنا جميعاً (افرادا وجماعات) عندما تركنا سلطتنا الاولى نهباً لعبث “المتظاهرين”، من دون شك هي شبخة جبارة الى الوراء، ولن يشفع لها كل هذه القذائف الدخانية عن الاصلاح والثورة وغير ذلك من الاستعارات البعيدة عن حاجاتنا والمخاطر الواقعية التي تواجهنا.
لم نهبط على تضاريس هذا الوطن المنكوب من كوكب آخر، نعرف بعضنا البعض الآخر جيداً؛ لا يعوزنا مشواراً اضافياً من القشمرة، وعلى من تلبستهم روح الثورة وهم في أرذل العمر، ان يرحموا الاجيال المقبلة وما خلفوه لهم من فضلات قاتلة. لقد اطحتم بما تبقى من امن واستقرار هش، وهرستم بفزعتكم الاخيرة ما تبقى من جسور بين “مكونات” هذا الوطن القديم، تحت وابل من الشعارات والهتافات التي اثخنتنا احباطاً وضيماً. ارحمونا من بطش حماستكم المستعارة هذه، لا نحتاج لسحناتكم الغاضبة ولا قبضاتكم المشدودة، ولا دفقات اضافية من الغضب، جميعنا مستاء وغاضب ومحبط، لكن منظومة الصناديق ومؤسستها الاولى (البرلمان) ليست مسؤولة عما حصل معنا كل هذه الاعوام من النزاعات والحروب، المسؤول عن كل ذلك ما زال مطمئناً على مؤسساته وملاكاته وعقائده النافقة التي تقف خلف كل هذه الفوضى ونهش واهانة بعضنا البعض الآخر بهذا الشكل المزري. على اكتافنا مشوار طويل من الذل والامتهان والاحتقار لذلك المخلوق الذي كرمته الصناديق، وهي لا تستحق كل هذا الجحود منا، علينا ان نتعلم كيفية التعاطي مع هذه المنظومة الراقية لا تهديدها بالمكاوير والهوسات في زمن القذائف الذكية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة