خواطر دينية

كتبت هذه الخواطر في زنزانة الإعدام في سجن ” أبو غريب ” عام 1973 ومؤلفها هو الأستاذ عطا عبد الوهاب المحامي والأديب والدبلوماسي (سفير العراق الجديد لدى الأردن 2004 – 2006 والسياسي (عضو مجلس الحكم المناوب 2003/2004، والذي ينسب له وضع المسودة الأولى لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) ، لاحقته المخابرات العراقية ليتم خطفه من قبل الأيادي الأثمة في الكويت عام 1969 ويزج به في غياهب اقبية “قصر النهاية” الرهيب ، ليحكم بعدها بالإعدام بتهم واهية أمضى منها أكثر من خمس سنوات في زنزانة الإعدام الانفرادية ، ليصدر بعدها مرسوم خاص بتخفيض عقوبته الى السجن المؤبد لحين اطلاق سراحه عام 1982 . أمضى المؤلف سنوات حبسه الطويلة في الدراسة والتأليف والتأمل، إذ قام بترجمة عيون الأدب العالمي لكتاب من امثال همغواي ووليم فوكتر وفرحيثاوولف وسواهما ،كما وضع في محبسه هناك اللبنات الأولى لمذكراته “سلاسة الطين ” تيمنا بالآية القرآنية الكريمة “وقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ” وأنبرى للشعر كذلك في ديوان اسماه “أعوام الرمادة “وهو العام الذي انحبس فيه المطر في صدر الاسلام فأجذبت الارض كناية لاحتباس المطر عن ربوعه خلال “اقامته ” الطويلة خلف قضبان السجن المظلمة ” والخواطر الدينية ” هي محاولة من كاتبها لتقديم تقييم عصري للقرآن الكريم من دون المساس بثوابت الإسلام وتعاليمه الحنيفة، يقيم المؤلف منذ سنوات في العاصمة الأردنية عمان حيث تقام هناك في داره العامرة ومنذ عام 2009 ندوة ثقافية تضم “النخب العراقية ” في الشتات باختلاف مشاربهم اطلق عليها “أحاديث الثلاثاء ” تم تجميعها في ستة مجلدات والتي بدأت “الصباح الجديد ” بنشرها تباعاً على شكل حلقات متتالية . إن التفسير الحديث للقرآن الكريم الذي يتصدى له المؤلف ، وقد سبقه في ذلك العديد ،يأتي في مرحلة مفصلية في تاريخ العراق الحديث حيث الغلبة فيه للانتماء الطائفي المذهبي على حساب المواطنة العراقية وروح التسامح وقبول الآخر عسى ان ترعوي القوى الظلامية في عراقنا المكلوم . “والخواطر الدينية ” التي نضعها بين أيدي القراء ماهي إلا محاولة مبتكرة لمؤلفها لسبر اغوار ما أنزل من الذكر الحكيم على المصطفى خاتم الأنبياء في ابلغ تجلياته.
– قبل 14 قرن من الزمان –
“واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
“صدق الله العظيم”
الناشر
عطا عبد الوهاب
القسم الثاني
الحلقة 1
الخواطر الدينية التي كتبتها في رمضان الماضي ليست تحت يدي في الزنزانة هنا. لعل هذا سيفسر بعض التكرار ان وقع ، ذلك لأنني لا اذكر بالتحديد جميع تلك الخواطر. ولو قرأتها الآن لتجنبت التداخل في الافكار الذي اخشى ان يحصل.
اذكر ان الغرض الاساسي من ذلك “الدفتر الاول” هو تقديم ما يشبه المدخل للقرآن لأهل بيتي. فيه افكار مبسطة ونزعة حديثة ونماذج مختارة كلها ترمي للتشويق لقراءة الكتاب العظيم وفهمه. هذا الدفتر مرحلة لاحقة اعلى. ففي ذهني افكار دينية معينة لا تخلو من تعقيد سأحاول التعبير عنها وتبسيطها جهد الامكان.
وقد لا تربط هذه الافكار رابطة محدودة سوى انها كلها دينية المسحة وتنبع من كتاب الله.
إعجاز القرآن
موضوع كان عند بدء الدعوة يمثل التحدي للمنكرين وتاريخ السيرة النبوية حاشد بالحكايات التي تصور كيف ان الناس، منكرهم ومؤمنهم، كانوا يفتتنون بهذا الكلام العجيب النازل من السماء على رجل منهم يشهدون له بالصدق والامانة وحسن الامثولة ما لبث فيهم من عمر طويل اخذ يتجاوز الاربعين. ان التحدي بشيء كائناً ما يكون في مساجلات الفكر والنظر يدل هو بذاته على وجود شيئين متناقضين يجذب احدهما الاخر: الاول ثقة المتحدي بنفسه وبما يعرضه من قول وفعل. والثاني انكار السامعين له والناظرين اليه. ويشتد الجذب والشد بين هذين القطبين المتناقضين كلما ازدادت ضخامة الفكرة المعروضة وازداد تبعاً لها ضجيج المستهزئين فكيف والمتحدي ينبئهم ان الله واحد احد، هو الذي احيا وهو الذي سيميت. وهو الذي سيبعث الناس كرة اخرى ليوم الحساب؟ ينبئهم بمثل هذا التوحيد الغيبي المصدر، الكلي القدرة المنشئ ابتداء والجامع انهاء ليوم لاريب فيه؟ وكيف والذين يستمعون يدورون حول احجار اصنامهم كما كان يفعل آباؤهم من قبلهم.
قانعين بما تلمس ايديهم لمس الحس ورافضين قبس العقل الذي يحثهم ان يضعوا ادراك الذهن السليم فوق حواس المادة التي هي بطبيعتها محدودة الافق الا حين تكون اداة للتطلع الى الافق الآخر: أفق الروح الفسيح؟ كيف وهم في دورانهم الآلي يرفضون التصديق ان الحجر الذي يعبدون هو حجر محض لا يضرهم ولا ينفعهم كما يرفض الثوار التصديق ان فلك الناعور الذي يدور فيه دائرة صغيرة وليس خطاً مستقيمًا طويلا لانهاية له؟
لذلك تصير المعجزة ضرورية: المعجزة لكي يصدقوا؟ ثم بعد ان يصدقوا يعملون الفكر فيجدون ان الفكرة الجديدة صائبة. كانت المعجزة ضرورية لازمة لكل الانبياء، لان الوحي لا يرى ويجب ان يصدق فتأتي المعجزة لتوفر التصديق، واذا تم التصديق تم كل شيء.
ولان المعجزة بطبيعتها شيء يخرج عن المألوف وعن قوانين الحياة وحقائق الوجود فإنها طالما تداخلت بالسحر والشعوذة والاعمال الشبيهة بأعمال بهلوانية المسارح. فالمتنبئون، او الانبياء الزائفون، لجأوا الى السحر للاتيان بالمعجزة ليجتذبوا الناس الى دينهم الكاذب، والناس بدورهم رموا حتى اصدق المعجزات لأصدق الانبياء بالسحر.
والانسان بطبيعته تواق للمشاهدة والتجريب. حتى اذا جاء عالم يقول انه اخترع (ام اكتشف) الكهرباء مثلا اراد الانسان ان يرى ويشاهد ويجرب ما هو هذا الكهرباء حتى يصدق ويؤمن به ويستعمله. فاذا جاء نبي يقول انه رسول السماء فماذا يقدم غير المعجزة دليلا على وحيه الذي لا يمكن ان يشاهد الانسان بعينه بل يستطيع فقط ان يعيد بعقله بمعونة المعجزة اولاً والذي لا يمكن ان يجربه الانسان بنفسه لأنه بحكم اقتصاره على الانبياء ممتنع عليه امتناعًا مطلقاً ويجب عليه افتراض صدق تجربة النبي بمعونة المعجزة التي يقدمها اليه.
واني لا استطيع تصور الرسول. خاصة في اوائل ايام البعثة والمؤمنين به قلة، وهو يتحدى الرافضين بكلام الله ويقول: هذا كلام بلغتكم فهاتوا مثله. بل ان هذا التحدي يتكرر في القرآن نفسه ثلاث مرات متدرجات: ان يأتي المنكرون بصورة من مثله، او بعشر سور، او بقرآن، (ام لعل التسلسل بالعكس). ان العجز في مواجهة التحدي هو بذاته اقرار بالمعجزة ذاتها. فكانت معجزة الرسول الامين هذا القرآن الذي اوحى به اليه الله معجزة دائمة ابد الدهر لأنها في دفتي كتاب تتداوله الايدي على الدوام وتعيه العقول والقلوب معاً وباستمرار.
ان هذه الصفة هي التي تميز معجزة محمد، لان معجزات الانبياء السابقين ذهبت معهم كائنة ما تكون وتناقلت ابرزها واصدقها ذاكرة الناس فهم يصدقون بالنقل ما لا يصدقه العقل لانهم لا يستطيعون اخضاعها لاختبار العقل فقد توارث مع اصحابها منذ عصور درست وانطوت، ولولا ان بعض تلك المعجزات قد ذكرها القرآن لما آمن بها المسلمون من ذوي النزعة العقلية. فلا يستثنى اذن من معجزات الانبياء كلها من ناحية استمرار الوجود الا القرآن فهو بحكم كونه كلاماً نزل وانتقل من الصدور الى الاوراق فقد صار كتاباً هو بمتناول من يشاء. انه المعجزة الدائمة وهي بمتناول من يشاء من الفاحصين والمدققين من ذوي العقول والالباب. ولعل هذه الصفة وحدها هي اعظم صفات المعجزة التي وضعت بين يدي خاتم الانبياء: صفة الدوام. ومن عجيب الامتياز لهذه الصفة نفسها انها كانت دائمة النزول ثم صارت دائمة البقاء من جهة أخرى ذلك لان القرآن نزل كما هو معلوم باستمرار، واحياناً يومياً، طيلة بقاء النبي في الحياة بعد البعثة. فهي كانت درعه الواقية في ايام التبليغ وسنين الجهاد، ثم اصبحت الدرع الواقي للدنيا النهائي الاخير ابد الابدين.
فما هو الاعجاز في القرآن؟
ان هذه مسألة شغلت العديد من فقهاء المسلمين ووضعت فيها عشرات الرسائل ومئات المجلدات. وهي تبدو مسألة يسيرة عسيرة. انها يسيرة لان كل من يقرأ القرآن يحس احساساً داخلياً ناطقاً بان هذا كلام معجز من دون أن يدري لماذا هو معجز وانها عسيرة او تصبح عسيرة عند محاولة النظر في عناصر الاعجاز او محاولة تحليل هذه العناصر الى اولياتها.
اما انها يسيرة بحيث يلمسها لمس القلب المتفتح كل قارئ لكلام السماء فلا تعود فقط الى حكم العادة مع مرور السنين والقرون. اذ قد يقال ان المسلمين وقد نشأوا على اعتبار القرآن مقدساً بحكم كونه من الله فقد اعتادوا عده معجزة كما يعتاد الاحياء على التنفس بحكم الضرورة الفسلجية. وهنا يمكن الرجوع بالمسألة الى ايام البعثة الاولى حيث لم يكن هناك من المسلمين الا النفس القليل ومع ذلك ومع عدم ظهور الاعتياد وبعد لعدم مرور الامد الطويل، كان الكلام النازل مع الوحي يعد معجزة حتى من غير المؤمنين بدعوى محمد ولا اقول دعوته اللهم الا المكابرين منهم والمغرورين والذين لم يطل بهم الامد حتى آمنوا صاغرين ففي فجر الرسالة حين قرعت الاذان الافتتاحية الاولى للمعجزة الربانية تصبح في ليل الجهل البهيم:
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5}
فانه لابد من سمع هذا النداء اقشعر بدنه واحس بالتيار الالهي يسري فيه وادرك ان هذا ليس من كلام الناس وان كان يقال بكلمات الناس. مثل هذا الاحساس لابد انه جرى ليس فقط بسبب الاطار الدرامي المحيط بالنداء: رجل منهم امين كريم يتعبد في غار حراء ببطن الصحراء يخاطب حامل الوحي الذي لا يرونه فيأتي الرجل يخاطبهم وجها لوجه بثقة الانبياء. ان هذا الاطار وحده يكفي لخلق الاستعداد في النفس لتلقي نداء الرب تلقي الكلام المعجز الفذ الاعجاز لكن الاطار وحده لا يكفي والتأثير الدرامي وحده لا يكفي، لان اثر الاعجاز الذي وقع في النفوس كان اثراً دائماً مع زوال آثر اطاره تدريجياً. فما هو هذا الشيء ومن هنا يبدأ الجانب العسير في المسألة؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة