جرائم الحرب

ماذا ينبغي على الجمهور معرفته ؟
يتناول هذا الكتاب جرائم الحرب ومجرمي الحرب في ظل غياب نظام قانوني وافتقار الإرادة الدولية للسلام… في الوقت الذي ما يزال الشرق الاوسط غائباً عن خريطة أية محكمة جرائم حرب…ولأهمية ما جاء في الكتاب من أفكار وآراء، تنشر “الصباح الجديد” فصول هذا الكتاب على حلقات متسلسلة
تقديم: حنان عشراوي – تحرير الطبعة الدولية: روي غتمان وديفد ريف – تحرير الطبعة العربية: داود كتاب – ترجمة: غازي مسعود
الحلقة 40
الملكية الثقافية والنصب التاريخية
بيتر ماس
كان المسجد في طريقه إلى الموت . وطبعاً، لم يحدد موعد إعدامه، إلا أن مسجد فرهاد باشا كان يعيش أواخر أيامه عندما عبرت بوابته الأمامية في صيف1992 ‏. فقد سيطر الصرب القوميون على بانجا لوكا وقطعوا طريقاً طويلاً في تأمين رموز الثقافة الإسلامية كلها، ولكن أي رمز منها لم يكن بتاريخية وأهمية مسجد فرهاد باشا الذي بني سنة1583 ‏، أثناء الحكم العثماني.
‏كان المسجد واحداً من أقدم المساجد في البوسنا وأجملها، ولذلك تعرفي لخطر أكبر من الخطر الذي تعرضت له حفنة من المسلمين الخائفين الذين أنه لتوهم صلاة العصر قال احدهم لي “نعم، سأتحدث إليك” وأضاف “لكن أرجوك، يجب أن نترك هذا المكان الآن” . نجا المسجد لأربعة قرون من الفتنة البلقانية، ولكن من الافضل الان عدم البقاء تحت ظلاله اليائسة
‏بعد، بضعة أشهر، في السابع من شهر ايار1992 ‏، استيقظ الناس الذين ماشوا قرب المسجد من نومهم على صوت انفجار جعل الأرض تهتز تحت منازلهم . فجرت ألغام مضادة للدبابات تحت أسس البناية القديمة، محولة إياها إلى ركام حمل بعيدا إلى مكب سري . وكل ما تبقى بقعة أرض مسودة . تمنى “المطهرون العرقيون´´ أن تدمير القلب الروحي للمسلمين سيدفعهم إلى ترك منازلهم وعدم العودة أبداً . حصل هذا التدمير في جميع أنحاء البوسنا، وتحول مسجد بعد مسجد إلى حصى . ومع كل انفجار ارتكبت جريمة حرب .
تعود الأحكام الدولية التي تحمي الملكية الثقافية من الضرر والسرقة الى الحرب الأهلية الأميركية. فقد أدت مذابح تلك الحرب إلى ظهور مبدأ ليبر لسنة 1867 ‏الذي منح وضع الحماية للمكتبات والكتب العلمية والأعمال الفنية. انطبق المبدأ على القوات الأميركية فقط، إلا أنه أثر على سلاسل من الاتفاقات الدولية التي جعلت من الممكن الوصول إلى اتفاقية حماية الملكية الثقافية لسنة 1954 ‏، إن تعريف الاتفاقية للملكية الثقافية واسع، يشمل نصباً هندسية مهمة، أعمالاً فنية، كتباً أو وثاق ذات أهمية فنية أو تاريخية، متاحف، مكتبات كبيرة، أرشيف، مواقع أثرية، ومبان تاريخية. وتعززت الاتفاقية بالبروتوكول الإضافي لسنة 1977 ‏الذي تحظر مادته الثالثة والخمسون “أية أفعال معادية موجهة ضد النصب التاريخية أو الأعمال الفنية أو أمكنة العبادة التي تشكل إرث الشعوب الثقافي أو الروحي” . ومن المهم ملاحظة أن البروتوكول اعترف بالحماية من تدمير أشكال أخرى من الملكية المدنية غير المرتبطة بأعمال أو استعمالات عسكرية.
‏وتحظر المادة 53 ‏ ايضاً استعمال الملكية الثقافية “دعماً لجهد عسكري” _ على سبيل المثال” استعمال بناية قومية تاريخية كمركز قيادي. وفي مثل هذه الحالات ليس بالضرورة أن يعتبر تدمير ملكية ثقافية أو إيقاع ضرر بها جريمة حرب. فاتفاقية 1954 ‏تقول بإمكانية مخالفة الالتزام بعدم إيقاع الضرر بالملكية الثقافية “فقط في الحالات التي تتطلب فيها الضرورة العسكرية الواضحة تلك المخالفة” . لم يعرف تعبير “الضرورة العسكرية” في الاتفاقية، برغم إمكانية انطباقه، على سبيل المثال، على كنيسة أصابها ضرر أثناء قصف على مصنع أسلحة مجاور، أو على متحف لأنه استعمل مستودع أسلحة.
‏كانت محاكمات نورمبرغ التي جرت بعد الحرب العالمية الثانية العلامة الأولى على تحميل أفراد مسؤولية جرائم حرب ثقافية. فقد حكم على عدة مسؤولين نازيين بالموت لارتكابهم انتهاكات متنوعة شملت تدمير الملكية الثقافية. بعد تلك السابقة، أصبحت محكمة جرائم الحرب اليوغسلافية مخولة بمحاكمة أفراد مسؤولين عن “مصادرة أو تدمير أو تعمد إلحاق ضرر بمؤسسات مكرسة للدين أو الخير أو التعليم، الفنون والعلوم، النصب التاريخية وأعمال الفن والعلم” . وبرغم ذلك، لا تحدد الاتفاقيات الخاصة بجرائم الحرب الثقافية العقوبات التي يجب اتخاذها ضد الانتهاكات.
‏وبسهولة، يمكن اعتبار تدمير مسجد فرهاد باشا جريمة حرب. ففي ذلك الوقت، كانت بنجا لوكا تحت سيطرة الصرب السياسية والعسكرية القوية، ولم يكن أي قتال يجري في المدينة أو في المنطقة المجاورة لها مباشرة. وطبعاً، لا يمكن عدّ المسجد هدفاً عسكرياً؛ فقد استعمله المسلمون الذين بقوا في بنجا لوكا مكاناً للعبادة فقط. وبرغم ذلك دمر.

الحصار
توم غجلتن
لقرون، حاولت الجيوش الاستيلاء على مدن بتطويقها وقطع الطرق المؤدية إليها ومن ثم قصف المنطقة المطوقة إلى أن يستسلم أهلها أو المدافعون عنها. فقد حوصرت القسطنطينية بين حين وآخر من قبل الفرس والعرب والبلغار والروس. استمر حصار ليننغراد (سانت بطرسبرغ) أثناء الحرب العالمية الثانية ل – 872 ‏يوماً ومات فيها أكثر من مليون مدني.
‏وبعد خمسين عاماً، جاء دور سراييفو. ففي شهر أيار 1992 ‏، قام جيش سرب البوسنا الذي أخفق في اجتياح المدينة، بإغلاق جميع الطرق المؤدية إلى ومن سراييفو، وعطل التجارة معها، وبدأ بضرب أحياء المدينة بنيران المدفعية والقناصة من جميع الاتجاهات. قالت منظمات حقوق الإنسان ووكالات الإغاثة وبعض الحكومات إن تكتيكات الصرب الحربية حول سراييفو فحوصرت المدينة لحصار غير أخلاقي وغير قانوني.
‏بمقتضى القانون الإنساني الدولي، ليس الحصار محظوراً بحد ذاته. فالاستيلاء على مدينة يسيطر عليها عدو هدف عسكري مشروع، وكثيراً ما رأى قادة عسكريون الحصار أقل كلفة من البديل _ الحرب من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع. وتاريخياً، تمثل عنصر أساسي في حرب الحصار بتقليص دفاع المدينة واجبارها على الاستسلام بقطع مددها الحيوي وترك سكانها، مدنيين وعسكريين، يجوعون. وبرغم قسوة هذا التكتيك، سمحت قوانين الحرب به، على الأقل إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، معلقة إياه بالضرورة العسكرية.
‏فآخر نسخة منقحة من المرشد الميداني للجيش الأميركي عن الحرب البرية، على سبيل المثال، يقول للقادة إن بالإمكان، ك _ “إجراء استثنائي”، إجبار المدنيين الفارين من مدينة محاصرة على العودة إليها لسبب محدد هو “تسريع استسلامها” . ضمناً، سمح هذا المبدأ بتعمد تجويع السكان المدنيين، حتى وان كان فقط لتحطيم معنويات المدافعين المسلحين عن المدينة. وبمقتضى تدابير لاهاي السابقة للحرب العالمية الثانية، لا يمكن قصفه المدن “المجردة من وسائل الدفاع”، إلا أن تكتيكات الحصار عادة ما تستخدم ضد الأمكنة التي تملك وسائل الدفاع، ولذا لم يستثن هذا الحظر الحصار.
‏وبرغم ذلك، تغيرت القوانين الخاصة بحرب الحصار كثيراً في مرحلة ما ‏بعد الحرب العالمية الثانية. فعلماً أن كلمة “حصار”‘ لم تذكر أبداً كتعبير قانوني، تفرض اتفاقيات جينيف لسنة 1949 ‏والبروتوكولان الإضافيان لسنة 1977 ‏الملحقان بها قيوداً على الحرب التي، إذا نفذت، تجعل الحصار عملياً غير قانوني. فلا يسمح للقوات المحاصرة أن تستهدف مدنيين أو تجوعهم “كوسيلة قتالية “،
وخولت وكالات الإغاثة توفير المساعدة للسكان المعوزين .
‏وتتمثل أكثر القيود تحديداً بالأحكام التي تمنع الهجمات على مدنيين . فالبروتوكول الإضافي الأول الذي ينطبق على النزاعات الدولية، يتطلب أن يميز أطراف نزع بين السكان المدنيين والعسكريين، و “وفقاً لذلك، أن يوجهوا عملياتهم ضد الأهداف العسكرية فقط” . والبروتوكول الإضافي الثاني، الذي ينطبق على النزاعات المسلحة الداخلية” أقل تحديداً لكنه ما يزال يعلن بان “السكان المدنيين بحد ذاتهم، وبالمثل المدنيين الأفراد، لا يجب أن يكونوا هدفا لهجوم” .
‏أما حظر تجويع المدنيين المتعمد واعاقة المساعدة الإنسانية فأكثر غموضاً نوعاً ما . فاتفاقية جينيف الرابعة تنص على أن جيشاً يستطيع منع الطعام أو ” شحنات إغاثة أخرى عن مدينة إذا نجم عن المساعدة توفر مزيد من التمرير للقوات المسلحة المحلية . والسؤال المطروح على قضاة جرائم الحرب هو ما إذا كان ذاك الحكم ملغياً بالبروتوكول الأول الذي يحظر استعمال تكتيكات التجويع كوسيلة لإجبار السكان المحليين على مغادرة المنطقة المحاصرة . قد يتطلب هذا الحكم من قوة محاصرة أن تسمح لمواد الإغاثة بالدخول إلى مدينة محاصرة، ‏حتى وان كان بعض المدد سيصل المدافعين حتماً . يحظر البروتوكول الثاني ايضاً تدمير “الأعيان ‏الضرورية لبقاء السكان المدنيين” . وعليه، فإن جيشاً محاصراً ممنوع، على سبيل المثال، من تدمير منشآت مياه شرب المدينة .
‏في سراييفو، تساءل مسؤولي قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة عما إذا كانت المدينة حقا محاصرة، لأن القوات الصربية سمحت أحياناً لقوافل ‏الإغاثة التي ترسلها الأمم المتحدة بالمرور الى ‏المدينة . لخص قائد قوة الحماية، باري فرور، رأي الأمم المتحدة الرسمي وهو يقدم تقريرًا مختصراً للصحفيين في شهر تموز 1993 ‏فاعترف بأن . “الصرب طرقوا المدينة” وقال “إنهم في موقع يفرضون منه قوتهم على المدينة . تسمون ذلك حصاراً . ونقول إنهم منتشرون في موقع متميز تكتيكياً” .
‏كان الخلاف سخيفاً و غير مهم ايضاً . فلا توجد أية كلمة تصف وضع المدينة بفاعلية كما تصفها كلمة “حصار”‏، وفي كل حال لم تحل التعبيرات مسألة ما إذا كانت أعمال الصرب العسكرية شرعية أم لا . فقد كانت المسألة الأساسية هي ما إذا انتهك تطويق سراييفو المستمر القانون الإنساني الدولي . بعض أجزاء مجل الحرب لا تترك إلا شك قليل في ذلك . فقصف المناطق السكنية عشوائياً غير قانوني بكل وضوح . وامتاز قادة الجيش الصربي بامتلاكهم مدفعية حديثة، وبمشهد واضح لأهداف سراييفو، وبثلاثة أعوام من الممارسة . وقد روى مراقبو الأمم المتحدة بانتظام استهداف المدنيين المتعمد الذي قام به المسلحون الصرب . وقادت الهجمات على سراييفو إلى إدانة القادة الصرب الذين حكم عليهم لمسؤوليتهم عن إطلاق النار على . التجمعات المدنية غير المهمة عسكرياً” .
هل يمكن لجيش ما أن يجد ‏سبيلاً لحصار مدينة من دون انتهاكه للقانون الإنساني الدولي؟ لقد اختبرت القيود، دون طائل، من قبل قوات طالبان في أفغانستان، ‏والمتمردين الهوتيين في أفريقيا. الوسطى، والقوات الروسية في الشيشان. وسواء كانت شرعية أم لا، تظل حرب الحصار شعبية كما ‏كانت دائمأ.

القتل العمد
بيتر ماس
كان سلوبودان مضيفاً لطيفاً. فكلما دخلنا انبساطاً من الأرض مكشوفاً، يقف، ينصت مثل كلب صيد ليسمع أية إشارة توحي بمشكلة، ومن ثم يعدو بأقصى سرعة، ملوحاً لي أن أقبل إن شعر بالأمان. كان ذاك في شتاء 1997 ‏، وكانت الحرب البوسنية في عزها، وكان سلوبودان يأخذني إلى مكان عمله، شقة منهوبة في بناية مقصوفة على خط الجبهة حول سراييغو.
وسلوبردان قناص صربي بوسني. ولأنه كان لا يعمل عندما تجولنا، تسلح بمسدس فقط. وبرغم ذلك، حالما وصلنا عشه، وجه مسدسه بغبطة الى ‏السرايفين الذين كانوا يركضون في أرض مكشوفة على بعد مئات قليلة من الأمتار. قال بإنجليزية مثيرة “يمكنني أن أطلق النار. انظر، انظر، أناس، مسدس، بوم بوم” ! ثم هدأ وابتسم. “لا توجد مشكلة، لا توجد مشكلة. لن أطلق النار على الناس. لا، لا، لن أطلق النار” .
‏وعنى ما قاله أنه لا يطلق النار على مدنيين، بل على جنود فقط. وهذا أمر غريب. فقد كنت في سراييفو ما يكفي من الوقت لأعرف أن المدنيين كثيراً ما كانوا الهدف الوحيد لقناصة من مثل سلو بودان. تحدثت إلى أشخاص أصابهم القناصة. رأيت شربا أصيب قرب الهوليدي إن عند خط الجبهة، وعرفت، كما عرف الجميع، أن برد الطقس وندرة الغذاء في عاصمة البوسنا المحاصرة لم يكونا اسوأ القتلة. إنهم القناصة أكثر من يقلقونك، لأنهم أطلقوا كل تلك الرصاصات التي وجدت طريقها إلى عديد الأذرع والأرجل والرؤوس والقلوب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة