معطف التكنوقراط

كما خرجت الرواية الروسية من معطف غوغول، كذلك هو حالنا مع معطف التكنوقراط، الذي قذفنا بابداعات وعطابات لا مثيل لها، لعلاج مصائبنا العضال. وصفة سحرية هبطت على مضاربنا، فتحولت سريعاً الى ملاذ لليائسين من رحمة الله والأقدار. لا أحد بحوزته قليلا من الوقت والمعطيات لفك طلاسم هذه المفردة العجيبة، التي انبرت لنصرة المستضعفين في بستان قريش. بعد مخاض طويل من الهوسات والاهازيج والتظاهرات والاعتصامات، قرر رهائن البرلمان التصويت على كابينة التكنوقراط المحظوظة، بعد انشقاقهم عن برلمان المعتصمين، لتجد شعوب وقبائل وملل هذا الوطن المنكوب نفسها أمام دورة جديدة من المتاهة والضياع. ما الذي تشير اليه مثل هذه التطورات والهرولات والخيارات؟ انها تشير الى الافلاس والعجز عن مقاربة مشاريع الاصلاح الواقعية والشجاعة. لا شيء غير فضلات الخوف نتداولها ضد بعضنا البعض الآخر، وهي سبل طمسنا بها واوصلتنا الى كل هذا الحضيض الذي نعيشه اليوم. لا فائدة ترجى من الزعيق والاهازيج والقبضات المشدودة والسحنات الغاضبة، ولا اجترار الشعارات النافقة، والقاء التهم على الآخر وشيطنته.
على العكس من معطف غوغول المبارك الذي اهدى الرواية الروسية العظيمة، كل ذلك الثراء والتنوع والجمال والابداع، رمانا معطف التكنوقراط بحزمة اضافية من كبسولات الهلوسة والهذيان. طبعاً هذه المفردة (التكنوقراط) بريئة من قذائف معطفها العراقي، لان المسؤولية تقع على عاتق من جاء بها صارخاً بين الجموع (وجدتها) كبلسم لهزائمنا العضال. لقد قلناها مرارا وتكرارا، ما يجري لا علاقة له بالحيوية والعافية، لا التظاهرات ولا الاعتصامات ولا كبسولة التكنوقراط وغيرها، وما جرى ويجري الآن في البرلمان وخارجه، يؤكد حقيقة مثل هذه الفزعات الخاوية (رسمياً وشعبياً) ونوع الفواتير التي ستسددها سلالات المساكين في نهاية المطاف. سيواجه الوزراء الجدد وضعاً اشد هشاشة من أسلافهم في الكابينة المقالة، ولن يمر وقت طويل حتى يلعنون اللحظة التي وافقوا فيها على تسنم حقائب هذه الورطة.
لقد كتبت عمودا بعنوان (شلع قلع) قبل ان تشتهر هذه العبارة، وتاخذ مسارات اخرى، غير اننا ما زلنا نترقب حدوث تصدعات في حصون كتل واحزاب الهويات القاتلة، لتشرع الابواب أمام قرارات وتشريعات تشلع وتقلع شبكات الركود والفساد. تشريعات تضع حد لنشاط احزاب القر ن السابع الهجري، وتؤسس لاحزاب وتنظيمات ونقابات تنتصر للحداثة والتعددية وشرعة الاعلان العالمي لحقوق الانسان. من دون حداثة ووعي بطبيعة تحديات عصرنا الواقعية، لا يمكن ترقب اصلاحات ترقيعية أو جذرية، وستتحول اكثر المفردات جاذبية ورواجاً الى ضدها، كما في (التكنوقراط) واخواتها. ما حصل مع السلطة الاولى في البلد (البرلمان) من انشقاق ونزاع واعادة اصطفافات بين الكتل المتنفذة والمستضعفة، يعكس عمق المأزق الذي انحدرنا اليه بهمة شراهتهم وعتمة مشاريعهم الظلامية، وبالرغم من المخاطر المحدقة بنا جراء ذلك، لم نشهد اية تحولات شجاعة أو انتقالات جادة صوب التغيير والاصلاح الحقيقي لا الاستعراضي من جميع الكتل الكبيرة منها والصغيرة. كفى مبالغات وهرولات على طريق القادسيات وتقاليد “ام المعارك” وولائم الفرهود واعادة تقسيم الاسلاب، لنتواضع قليلاً رحمة بالاجيال المقبلة وما سنورثه لهم من خرائب ومشاريع حرائق وثارات صدئة، عسى ان ننعتق من لعنة نبؤة قيلت قبل أكثر من 1400 عام عند أطراف الوليمة الازلية وما زالت فاعلة الى يومنا هذا: (نحن قوم في مصيبة).
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة