الأخبار العاجلة

إصلاح بلا مقوّمات

فجأة تصاعدت نغمة المطالبة بالاصلاح الجذري للدولة وللسلطات الثلاث، ولم يمر وقت طويل حتى حصدت هذه المفردة (الاصلاح) تأييداً ساحقاً لا من الجماهير وحسب بل من غالبية الكتل والنخب، ولم تشذ واجهات الفلول الجديدة عن ذلك الكرنفال الوطني. اجماع لا مثيل على دعم الاصلاح الجذري (شلع قلع) لم يشذ عنه، غير عدد قليل من الذين حرمتهم الاقدار من نعمة الترنح مع الحشود والنخب التي تجيد تقنية نقل عدتها من كتف الى كتف آخر. المعروف في جميع تجارب الاصلاح والتحولات التي دونها تاريخ الدول والمجتمعات الحديثة، انها لا تظهر فجاة من دون مقدمات على مختلف الصعد المادية والقيمية، وغالباً ما تمهد له تحولات فكرية وقيمية تنهض بها شريحة الانتلجينسيا، من المثقفين العضويين الذين يكتسحون بطروحاتهم وخطاباتهم الشجاعة، كل متاريس الركود والخنوع، الى دروب الحداثة والتقدم في مختلف المجالات، تدعمهم في ذلك حاجات بنية تحتية وطبقات اجتماعية تتركز مصلحتها بولادة النظم الحديثة المستندة الى آخر ما عرفته الامم الحرة من مدونات الحداثة والتعددية والحريات والحقوق. وبوسع فرسان “الاصلاح” الحاليين الاطلاع على تجربة قريبة لنا في هذا المجال، أي تجربة الاصلاحيين في ايران، ونوع الحراك الفكري والثقافي الذي مهد لهذه الحركة، والتي ما زالت رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود في طور صيرورتها وتكاملها، وهي بالتاكيد ستأخذ ملامحها وهويتها الواضحة في المستقبل المنظور.
عندما نتصفح خطابات ويافطات فرسان الاصلاح عندنا، نجدها مقطوعة الجذور، ولا تملك اية تراكمات فكرية وثقافية، كما اننا نمتلك أحد أسوأ الانتلجينسيات في المنطقة، شريحة يتقافز غالبية المنتسبين لها على مختلف المواقع والمتاريس من دون وجع قلب، ونادرا ما نعثر على جهد أو نشاط جاد ومسؤول منهم لمواجهة كل هذا الركام من الاكاذيب والمسخ والعبودية والتضليل، لا في هذا الكم الهائل من الاكاديميات وحاملي الدرجات العلمية ولا من الضاجين اليوم على خشبة الثقافة والابداع والاعلام وما يتجحفل معهما من ملحقات وابواق ومنابر ومنصات.
وسط كل هذا الصخب والضجيج عن الاصلاح والتغيير، يعجز المتابع الموضوعي للاحداث من لمس أي مظهر للعافية والاستعداد الحقيقي للانتقال لمرحلة جديدة حقاً، لا شيء سوى القوى والاصطفافات والغايات نفسها، التي أوصلتنا لكل هذا الضياع وانسداد الآفاق. لا أحد منهم يلتفت الى نفسه وجماعته وزعاماته التاريخية ورسالته الخالدة، جميعهم يريدون الاصلاح وهم (بما لديهم فرحون)، وهذا ما تمخض عن حزمة المشاريع والوثائق التي قدمتها الاطراف، كل على انفراد للنهوض بتلك المهمة التاريخية. مثل هذه المعطيات الواقعية تؤكد حقيقة ان عجاج الاصلاح هذا، وبكل ما اؤتي من قوة وحماسة واهازيج، سينجلي عن دقلة اضافية على خطى طيب الذكر دونكيشوت، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا ما حصل مع أول زعيم وحركة اتخذت من مفردة (الاصلاح) عنواناً لها. ان كشف الامكانات الواقعية لفزعات الاصلاح الاخيرة، لا علاقة لها بالتشاؤم أو الموقف المسبق من دعاتها، بل هي جزء من وظيفتنا الاساسية في تسليط الضوء على الخلل البنيوي لها، حيث تفتقد لمقومات الاصلاح الواقعي، وعلى رأسها وعي الاصلاح الذي نحتاجه، وطبيعة الاستعدادات الفعلية لتحويله الى واقع، وهذا ما لم عجزت سلسلة الحفلات التنكرية، من تقديمه لمحظوظي حقبة “التغيير”.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة