بير العدم

تدمرت جسور التفاهم شذر مذر حتى صار الجميع لا يفهم الجميع، وتعطلت ساعة اللغة، وهي ساعة رملية قديمة بنبض قريش وحسب توقيت يثرب، حيث الرمل يكتب على أوراق الريح مصير الامة ومقادير الناس، والناس قيام قعود تتهجد باسم السلف والتلف الصالح، يسكرون بشرب بول البعير المعتق منذ البسوس، وهم منسدحين من باب المندب حتى رأس الرجاء الصالح. وعلى الضفة الاخرى من بول البعير ناس طامسين بالغيب للهامة يحششون بمخدرات الشفاعة في شد مزق العقل الاخضر على أغصان شجرة السدرة، تأخذهم سنة من الدمع حتى انقلبت الحياة الى مهرجانات عيد حداد أبدي، يزورهم الفرح بين حقبة وحقبة لكنهم يبصقون عليه ويرمونه بالحجارة، يخجل ويلملم فراشاته وازهاره وأسمال أغانيه القديمة، المفارقة صارت هذه الاغاني مصدر جديد للنواح، الامر الذي جعل الفرح يعاني ويتعذب ويتيه في براري الظلمتين بحاضر أسود طلسم وبماضي حندس مقدس. مسكين الفرح فقد عقله وما عاد يعرف نفسه مثل نجم المخبل، وسخ رث الملابس يتلفت مثل العصافير العراقية فزعا من راجمات الحجار التي يشغلها الزعاطيط، ونجم المخبل بيده نصف طابوقة يخيف بها الاحزاب العقائدية ويردع بها كل من زط ونط، لكن نجم المخبل أينما ولى وحهه يحضر الفرح معه حتى في المآتم وليل العزاء الطويل، هو لا يفهم ماذا يريد الناس منه، وهم لا يعرفون لماذا نجم مخبل وهل تحميه النصف طابوقة من داعش ؟ الجميع ينبش أذنه ويبوق كفه حول صيوان الأذن لعلهم يفهمون ما يجري امامهم ، ولعلهم يسمعون صوت العقل ولو لمرة واحدة في القرن. الجميع عيون كليلة لا ترى أبعد من أرنبة الخشم، ولا يجرؤ أشجعهم على خلع الحنديري فالحرية رعب، واستقلالية الذات جريمة تهتز لها الدنيا وأركان السماء، والعنكبوت يضحك على ذباب يطوق حول الدبق ويتساقط في بير العدم، كما يضحك على غوغة من الذباب المثقف، ذباب جثث أخضر وكبير الحجم، هو اخضر من شدة امتصاص عسل الكتب وتحويلها الى سم وسراب، وهو كبير الحجم من سطوع الكسل، ومن نفخ كرش الرأس بهواء المعرفة الفاسد. العنكبوت يضحك بدموع جمر وهو يرى هذا الذباب المثقف دليل تيه للناس، وكتاباته علامات مرور واشارات ضوئية لسراب قاحل ولمتاهات ثقوب سود لا مخرج منها، حيث الهيام في مقبرة الضياع، هو ليس ضياع العبث واللامعقول الحر والفاتن المكتنز بسؤال الوجود الذهبي، ضياع شغوف الى لذة الكشف واختراع حياة بسيطة، بل هو ضياع غوغة من الذباب المثقف، حيث العماء بخسوف كلي، والركض المجنون الى فتاة الشهرة العاهرة، والارتماء بحضن خليج الدشاديش البيض واليشامغ الحمر، لا ينال النجومية ألا بتسليم نجمة دبره العقلية في سوق بيع الاوطان والمتاجرة بالماء السري للضمير. السيرة الذاتية لهذا الذباب المثقف هو دائما يفتح فخذي قلبه للقوي، وينخرط من شاهق طوله على قدمي الدنانير. هذا الذباب يحمل فوق جناحيه وزر الضلال وجرم العماء ودمار جسور التفاهم بين الجميع.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة