الأخبار العاجلة

مفردات هجينة في لغة الإعلام والسياسة

فيصل الياسري
مخرج وكاتب عراقي
لا ادري من هو الذي ادخل مفردة )الكابينة الوزارية (على قاموس السياسيين العراقيين المستحدثين فصارت تتكرر في الاعلام بنحو يومي ، ويستعملها الكبار والصغار وكأنها من اصل تراثنا اللغوي في السياسة والاعلام ، ومن الواضح انها ليست مفردة عربية ، ففي صحاح اللغة للأصمعي توجد مفردة كبَن وهي جلدة لربط عنق الدلو او هي ثنية الثوب والكُبنة هو المنقبض البخيل والكُبان داء يصيب الابل .. وكبن عن الشيء: عدل عنه وصرفه يقال: كَبَنَ عنه لسانه: كفَّه. وكبن هديَّته عن جيرانه ومعارفه: صرفها إلى غيرهم.
اما الكابينة فهي كلمة اجنبية حتماً واكثر من يتشدق بها هم النواب وأعضاء الحكومة العراقية ، بل بدأ البعض منهم يصرفها لغوياً كأن يجعل منها فعل امر فيقول : كبنوها وخلصونا ! يعني كونوا الكابينة ! وآخر صرح قائلا بشكل جاد : يبدو الكابينة ما راح تتكبن !
وحتى استعمالهم لها خطأ بالمعنى الذي يقصدونه ، وهو التشكيلة الوزارية ، اذ ان الكلمة ان كانت عن الانجليزية او الفرنسية, cabinet او الالمانية والهولندية kabinett او الاسبانية gabinete فهي تعني من بين معاني عديدة مجلس الوزراء ولا يحتاج الى تعريف انه وزاري لذا لا يصح ان نقول كابينة وزارية وكأننا نقول مجلس الوزراء الوزاري .. !!
وعليه ان قلنا كابينة وزارية فكأننا نصف المعاني الأخرى لكلمة كابينة بانها وزارية أي كأننا نقول : خزانة وزارية ، او حجرة صغير وزارية ، او قاعة مطالعة وزارية ،او حجرة خلع الملابس في المسبح. او الحجرة التي ينام بها المسافر في الباخرة او مقصورة الطيار ، او حجرة الهاتف العام او خزانة في المطبخ ـ او دولاب الملابس ، او صندوق المعدات ، فهذه كلها وغيرها هي من معاني كلمة كابينة الأجنبية … ومن معاني كابينية الاخرى مرحاض !!
لقد شاعت هذه المفردة الاعجمية ( الكابينة ) واقتحمت لغة الاعلام العراقي وسادت في الشارع وبين المتظاهرين والمعتصمين وهم ينتظرون الولادة المتعسرة لكابينة الدكتور العبادي التي يحاول البعض ان يحققها حتى ولو بعملية قيصرية او صدرية ، وأضافوا اليها وصف التكنوقراط واللامحاصصة ، مع ان العديد من المعتصمين لأجلها هم من عرابيد المحاصصة والفساد ، وهناك من يتهم بعض الذين يروجون لها بانهم ما انضموا الى ركب دعاتها الا لحرف مسارها وقلب أهدافها وخلخلة الحركة بالانسحاب فيما بعد بشتى الحجج المثبطة !!
ورب سائل يسأل : اذا كانت الحكومة ، والكتل السياسية ، والنواب ، والأحزاب والمنظمات، والمتظاهرون ، والمعتصمون ، والاغنياء والفقراء ، والمدنيون والعسكريون ، والحاضرون والغائبون ، والمهاجرون والنازحون ، والصغار والكبار , والنساء والرجال ، واليتامى والارامل ، والعاملون والعاطلون عن العمل ، والفلاحون والعمال ، والمثقفون والاميون ، والنزيهون والفاسدون ، و…و…
كلهم يريدون « كابينة « تكنوقراط غير طائفية من دون أي شكل من اشكال المحاصصة ، فمن ذا الذي يحول دون تحقيق هذا الحلم «الكابيني « العسير الولادة ؟؟؟؟
كابينة الدكتور العبادي ذكرتني بفيلم كابينة الدكتور كاليغاري ، اول فيلم رعب في تاريخ السينما العالمية (1919) للمخرج الألماني روبرت فيينه wiene الذي جسد فيه مواصفات أفلام الجريمة والاثارة والرعب والغموض والخوف وحتى السحر والشعوذة وحدوث غير المتوقع ، باتباع أسلوب التعبيرية الألمانية ـ محققا اقصى حالات التوتر عند المشاهدين باستعمال مثير للضوء والظل والظلام والزوايا الحادة للديكورات وللكاميرا ـ وقد اصبح فيلم ( كابينة الدكتور كاليغاري) قدوة لكل من جاء بعده من مخرجي ومنتجي أفلام الرعب والاثارة والخوف طوال مائة عام من صناعة السينما .
هذه المفردة الهجينة الدخيلة على لغة الاعلام والسياسة في عراق 2016 ، كابينة ، هل ستغدو دلالة على حكومة رشيدة طموحة كما يحلم بها الناس الان وفي المستقبل ، ام ان كابينة الدكتور العبادي – هذا ان تحققت فعلا – ستحمل بعض ملامح فيلم « كابينة الدكتور كاليغاري « بما فيها من اثارة وغموض وخوف ومفاجأت !!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة