الشامتون …!

ربما يُعد “الدارمي” أحد أهم الفنون والكتابات الأدبية الشعبية التي تميزت وأنفرد في تناول موضوعة “الشماتة” و”الشامتون” و”الشمات”، حيث تضمنت “الدارميات” بلاغة في المعنى وجمال في الصورة امتزجت فيها مشاعر الحب والالم والعذاب والعتاب والمعاناة والحزن، لكنها كانت لاتخلو في مناسبات أخرى من الطرافة والسخرية من خلال استخدام مفردات وأدوات أحتياطية وعُدد يدوية ومنزلية.. تم توظيفها في البناء الدرامي للصورة الشعرية المراد ايصالها للمتلقي.
هنا يقول أحد ضحايا “الشمات” الذي قام بتوظيف مفردة “حزام” البنطلون في هذا الدارمي:
“امس مر بيه شامت تدري شيكول.. هذا حزام ظهرك جلد طبيعي لو عادي..؟
بينما نجد هنا أن “عاشقا” آخر وظف الحديد والبسامير لمواجهة “الشامتين” في الدارمي حيث يقول:
خلهم لو حجوا شعلينه بالشمات.. حديد اطباعنه شنهي البسامير!
او قوله في موضع آخر:
كل ساعة الشماته تصيح ماجاك.. صرت نجار من كثر البسامير!
وعاشق آخر قام بتوظيف مفردة “الطبل” لمواجهة شماتة الاعداء بالقول:
كعدت على حس الطبل حسبالي رمضان.. طلع شامت يدك ويصيح باعك الخلان!
ومن المتعارف عليه بإن “الدارمي” حينما يقال لا يحتاج الي بيت آخر ليكمل معناه كما يحدث في انماط الشعر الشعبي الاخرى وهو بمثابة قصيدة كاملة.
وربما كان الدارمي الشهير “شماتي مو شمات” احد اهم “الدارميات” التي اشتهرت في اوساط الشباب والعشاق والمهتمين بالادب الشعبي.. حيث يترجم فيها الشاعر العاشق “المجهول” في هذا “الدارمي” حجم المرارة والالم الذي يشعر به من تصيبه “شماتة ” الاعداء والاقرباء على حد سواء.. فيقول:
شمـاتي مو شـمات شمـاتي شمات.. بالگبر ويسألـون حي بعده لو مـات
شمـاتي مو شمـات شماتي تسعة.. والعاشر إزغيرون يأشر باصبعـه
شماتي ألفين ومضاعف إعداي.. أبقه أبعزم دوم بس كونك أوياي
من المؤكد ان “الشماتة” هي ليست وليدة اليوم أو الصدفة.. ولا هي من ابتكارات وامراض واكتشافات العصر الحديث، فالكتب والمصادر التاريخية تشير الى أنها رافقت الانسان منذ استيطانه أقدم المدن والحضارات، بينما يذهب بعض العلماء والباحثين الى أنها تٌعد جزءاً من طبائع الإنسان وسلوكياته المتأصلة في اعماق النفس البشرية لكن بدرجات ونسب متفاوته، بل ذهب البعض الى وصفه بإنه مرض عضال يولد مع صاحبه ويكبر معه.
قيل للنبي أيوب عليه السلام: أي شيء كان عليك في بلائكَ أشدّ؟. قال: شماتة الأعداء.
فالشَّماتةُ – كما قال أهل اللغة – معناها: فرحُ العدُوّ ببلّيةٍ تنزلُ بمعاديهِ.
وأيضاً قيل.. الشَّمَاتَةُ بِالنَّاسِ: أَيِ الْفَرَحُ وَالاغْتِبَاطُ بِبَلِيَّةِ الآخَرِينَ أَوْ بِالأَعْدَاءِ!
وشَمَاتَةُ النَّاسِ: تعني أَنْ تَتْرُكَ النَّاسَ يَشْمَتُونَ بِكَ!
وقيل أيضا: شمَتَ بـ يَشمُت ويَشمِت، شَماتةً، فهو شامِتٌ والجمع: شُمَّاتٌ، وهُنَّ شوَامِتُ، والمفعول مشموتٌ به.
قال الجاحظ: ما رأيتُ سِناناً أنفذ من شماتة الأعداءِ.
ربما يعود الفضل لمواقع التواصل الاجتماعي في اكتشاف الكثير من أمراض وعلل النفوس البشرية المزمنة ومنهم “الشامتون” بمصائب الوطن والأهل والأصدقاء والخلان.. قبل “الشماتة” بمصائب الاعداء!
قال بعض الحكماء: لذّة العفو أطيب من لذة التشفّي والانتقام، لأن لذة العفو يشفعها حميد العاقبة، ولذة الانتقام يلحقها ألم الندم.

* ضوء
من يشمت بمصيبة أهله.. عليكم التدقيق في أصله!
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة