فشل السلطات

عبر بوابة (فصل السلطات) تحررت الشعوب والامم من هيمنة الاستبداد المطلق، غير ان الأمر على تضاريس الوطن القديم، سار بشكل مغاير عندما وجدت شعوب وقبائل وملل هذا الوطن نفسها فجاة، خارج نفق العصر الزيتوني؛ وبمواجهة تحديات لم تألفها من قبل، شكلت مهمة الاقتراع لانتخاب ممثليها للسلطة التشريعية، الخطوة الأشد تأثيراً على وجودها ومصائرها. نتيجة هذه الدقلة المفاجأة وعواقبها عرفناها وعشناها جميعاً، مع أرتال من النواب وعدة جولات انتخابية، اعادت تدوير السلطة الاولى في البلد بشكل أدهش المغفور له مونتسكيو صاحب (روح القوانين)، وجدنا انفسنا مع نوع من (المشرعين) يصلحون لكل شيء الا التشريع، ولسبب بسيط نعرفه جميعاً؛ الا وهو خضوعهم المطلق لمشيئة وارادة حيتان الكتل المتنفذة في البرلمان، صاحبة الفضل الحقيقي في حصولهم على مقاعدهم البرلمانية، وعدم تمتع غالبيتهم لمتطلبات السلطة الاولى، ذلك المسار المقلوب الذي أزاح الحكم المطلق لصالح بوابة اخرى اهدتنا كل هذا الخراب والضياع هي (فشل السلطات). هذا العجز العضوي والفشل في اداء وظائفهم الاساسية، جعل غير القليل منهم، يستعرض مواهبه وقدراته في ميادين وسلطات اخرى، لا علاقة لها بوظيفة عضو برلمان، خاصة من اكرمته المحاصصة بعنوان (رئيس لجنة برلمانية) حيث بتنا نشاهدهم وهم يصولون ويجولون بالمؤسسات التنفيذية المدنية منها والعسكرية، ومن شدة حماسة البعض منهم لتقديم خدماته في تلك المجالات المستقلة والبعيدة عن اختصاصهم المفترض، صاروا مرجعاً لملاكات وكوادر وجنرالات تلك المؤسسات..؟!
ان بروز مثل هذه الظواهر المرضية، وفي اعلى سلطة بالبلد، يعكس حجم وطبيعة المازق الذي نعيشه، كأفراد وجماعات، كمجتمع ودولة، وثقافة وقيم ما زالت تستمد تقاليدها من ذلك الارث المغاير، لثقافة الاقتراع والتعددية والحريات وفصل السلطات. لا يمكن للصناديق وأفضل انواع الأحبار البنفسجية واكسسواراتهما، ان تنتشلنا من كل تلك الموروثات المستقرة في أغوار طقوسنا وثوابتنا الجليلة. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان مثل هذا السلوك والممارسات، لا يمكن القاء اللوم فيه على اولئك النواب فقط، بل هم يتصرفون بوصفهم ممثلين لمنظومة قيم تتضامن فيها الحشود والنخب، حيث ما زال السواد الاعظم من شرائح المجتمع يحن الى الشخصيات التي تستأثر بكل الوظائف والمسؤوليات، بوصفها تجسيدا للقوة والاقتدار، وامتداداً لمآثر البلطجة وشقاوات المحلة وفضلاتها الراسخة في سراديب اللا شعور.
مع مثل هذه الحقائق المريرة عن امكاناتنا الواقعية، لا نحتاج للبحث عن أسباب وجذور كل هذا الفشل الذي تعيشه لا السلطات الثلاث وحسب، بل ما يمكن ان نطلق عليه بـ (الطركاعة الرابعة) والتي وضع غير القليل من المنتسبين لها كل اقلامهم ومنابرهم الورقية والسمعبصرية، لخدمة وليمة النهش الشامل والذرى التي ارتقت اليها من الفرهدة. ما نشاهده اليوم من (احتجاجات واعتصامات) تتوجت بما اطلقوا عليه بـ (انتقاضة النواب) يؤكد حقيقة؛ ان القوم بعيدين كل البعد عن الحلول الواقعية والشجاعة للمأزق الذي انحدرنا اليه عبر بوابة (فشل السلطات). من دون شك يمثل مشهد اعتصام النواب، فصلاً جديداً لمسلسل الدقلات الغرائبية لحقبة الفتح الديمقراطي المبين، وهو ابتكار وطني محض لن ينازعنا على حق ملكيته أحد، حيث تطوع مشرعونا الأشاوس لرفع هراوة الاعتصام، بالضد من المنظومة التي احسنت اليهم بمواقعهم الحالية (المحاصصة) في الوقت الذي ما زالت فيه قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل وفلول التشريعات المتنافرة مع الحداثة والتعددية والحريات تصول وتجول على تضاريس السلطات جميعها من دون استثناء..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة