هرج ومرج

في مسيرة المجتمعات والامم، هناك محطات من الفوضى والتخبط تمر بها، لكنها غالبا ما تتحول الى منعطفات تاريخية ترتقي بوضعها على مختلف الميادين، بهمة الحكماء والاحرار من بناتها وابنائها، لتجتاز مثل تلك التحديات الى ذرى تنتصر لحرية عيال الله وحقوقهم في العيش الحر والكريم. لكن ما يواجهنا نحن سكان هذا الوطن المنكوب، لا يشبه مثل تلك المحطات الا بهذه الفوضى الشاملة وانعدام المعايير، لا من لحظة “التغيير” ربيع العام 2003 وحسب بل أبعد من ذلك التاريخ بكثير، حيث تستند الى ارث يمتد الى ما قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921. لم يعد هناك غير هذا الحطام الهائل من (الزعامات التاريخية والرسائل الخالدة) التي تلقفت المسؤولية والغنيمة الازلية من ملهمهم الذي انتشل مذعورا من جحره الأخير. هذه القسمة العاثرة لم تأتِ من فراغ، ويمكن للمهووسين بالدراسات والبحوث وانواط الدرجات العلمية والعناوين المنتفخة؛ من تتبع جذورها ونوع الاحتياطات المادية والقيمية الراكدة التي تستند اليها.
ما نعيشه اليوم من أطوار ما اطلق عليه بـ (الفوضى الخلاقة) بعيد كل البعد عن الخلق والابداع والابتكار، فلا وجود لأي مشروع جدي للتغيير والاصلاح، ولا ملاكات تعي طبيعة هذا الطور، الذي لا تنطبق عليه غير عبارة (هرج ومرج) والتي يعيد تدويرها قوارض هذه الحقبة بدهاء يحسدهم عليه اسلافهم الأشاوس. من واجبنا كبشر قذفتنا الاقدار على هذه التضاريس المنخورة بكم، وكما يردد مظفر النواب دائماً (مصارحتكم بحقيقتكم) وبهوساتكم وفزعاتكم، ونوع بضائعكم وغاياتكم التي لا تطيق التقرب من كل ما يمت للاصلاح والتغيير الواقعي بصلة. لا يخفى على المتابع المنصف، طبيعة المناخات الشاذة وضحالة الوعي والكم الهائل من حطام البشر والقيم، التي تعضدكم وتشد من ازركم في صولاتكم وجولاتكم ودقلاتكم، وما تطفح عنه صناديق الاقتراع، خير دليل على منزلتكم الراسخة في مرحلة (الهرج ومرج) التي ادهشت العالم كله بتحفتها الاخيرة من الاعتصامات الرسمية والتي لم تعرفها سلالات بني آدم من قبل.
لم أجد في جميع ما اطلعت عليه من تجارب الثورات والتحولات والتطورات الدراماتيكية للمجتمعات والدول؛ ما يشبه حالتنا الراهنة. قفزة ستحير خيرة العقول ومراكز البحوث الاستراتيجية، محطة استثنائية التقت فيها السلطة الاولى في البلد (البرلمان) مع الشارع ونقاباته وصحفه ومنابره ومنصاته، في الاحتجاج والاعتصام ضد عدوة الشعوب الجديدة (المحاصصة) بوصفها المسؤولة عن كل ما جرى في البلد، منذ لحظة الحوسمة الشاملة لـ (المال مجهول الصاحب) الى لحظة اعتصام النواب. طبعاً وفي مثل هذه الاوضاع الغرائبية، ترتفع بعض الاصوات، داعية الى منح الفرصة لمثل تلك النشاطات العجيبة، علها تعبر عن صحوة ضمير متأخرة، هبطت على مأوى المحاصصة وحصنها الحصين (البرلمان)، لكننا ومع كل الضيم والهزائم التي ورثناها، لا يمكن ان نلتفت لمثل تلك الآراء البطرانة، أما اصحابها ومثلما عهدناهم سوف ينسونها كما هو الامر دائماً، بعد ان يعود (الاخوة-الاعداء) الى رشدهم والى حضن المحاصصة الحنون.
لا يتناطح كبشان على حقيقة كوننا أكثر سكان الارض، تضرراً من علف الاكاذيب وملحقاته المميتة. علينا مواجهة امكاناتنا الفعلية (رحم الله امرءا عرف قدر نفسه) وهذا يدعونا لمعرفة الشروط التي دعتنا لطلب العون من المحاصصة وبالتالي سبل التحرر منها (ان كنا نبغضها حقاً) الواقعية لا العنترية كما في الهرجة الأخيرة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة