الدروس المستقاة ومتطلبات الإصلاح في العراق

إدارة المعونات الدولية
د. مهدي الحافظ
د. هدى عبد الملك العاني
سادسا»: المرفق الدولي لاعادة اعمار العراق
اسس المرفق الدولي لأعمار العراق عام 2004 لتأمين قناة متعددة الأطراف لتنسيق جهود المانحين في نشاطات الأعمار والتنمية. ويتضمن المرفق نافذتين، الأولى تدار من قبل مجموعة التنمية التابعة للأمم المتحدة United Nations Development Group (UNDG) والثانية من قبل البنك الدولي. ويعد هذا الصندوق الأول من نوعه الذي يشترك في ادارته البنك الدولي والامم المتحدة، واكبر صندوق لما بعد الأزمات من حيث الموارد المالية، حيث بلغت اسهامات 25 دولة مانحة 1.84$ مليار دولار نهاية 2007.
تقرر في اجتماع لجنة المانحين الرابع في البحر الميت في تموز/2005 انجاز مراجعة لأداء المرفق الدولي لتقديم تقييم مستقل لفاعلية وكفاءة مخرجات المشاريع المنفذة بتمويل من المرفق الدولي وهل ان المشاريع قد حققت النتائج المرجوة منها، وتأثير الدروس المستقاة من تجربة العراق. وكذلك تقييم تفاضلي بين كل من صندوقي الأمم المتحدة والبنك الدولي. وقد تم انتقاء عينة من 17 مشروعاً، اربعة مشاريع ممولة من البنك الدولي و 13 مشروعاً ممولة من صندوق الأمم المتحدة.
لقد استندت الشروط المرجعية للمرفق الدولي في 2003، على افتراضات مهمة عن الشروط الواجب توفرها للتنفيذ الناجح للبرامج الممولة من المرفق، بما فيها الظروف الأمنية والأستقرار السياسي، وكذلك الملاكات الواجب توفيرها على الأرض من قبل كل من البنك الدولي والأمم المتحدة. ولكن الذي حصل بعد منتصف 2004 عندما شرعت العمليات والمشاريع بالبدأ، جابه المرفق صعوبات نظراً لتدني الوضع الأمني على مدى ثلاث سنوات، مما احبط الأفتراضات الأولية التي وضعت في البداية. ونعتقد ان تلك الأفتراضات كانت تفتقر الى الواقعية ومتفائلة الى حد كبير، حيث تبين تجارب بلدان اخرى ان الصراعات المذهبية والطائفية او السياسية لايمكن ان تبدأ على المدى القصير، مما يتطلب وضع حساب لتلك الأعتبارات. فبدلاً من ان يكون الوضع مهيا» للأعمار لما بعد الازماتPost-conflict reconstruction ، بات الأمر منطبقا» على حالة اعادة الأعمار الأزمات In-conflict reconstruction ، مما يتوجب التغيير في مسار البرامج والتدخلات الدولية في حل الأزمة السياسية اولاً، ومن ثم سينعكس ذلك بالطبع على تحسين الوضع الأمني ثانياً، ومن ثم البدء ببرامج التنمية ثالثاً. وهذا ما تم ذكره في تقرير تقييم الأداء بأن برامج المرفق كان يجب ان تأخذ في الحسبان الأنصراف ليس فقط لمعالجة تبعات احداث 2003، ولكن تراكمات اكثر من عقدين من العنف والمقاطعة الدولية.
دخل الشركاء الدوليون في هذا الأتفاق مندون وجود خارطة طريق سياسية او اولويات للخروج من الأزمة او خبرة للعمل من خلال نافذتي البنك الدولي والأمم المتحدة. حيث لم يسبق لمرفق دولي متعدد المانحين ان عمل تحت ظروف قاهرة مثل ما حصل في العراق، حيث تأثرت جميع مراحل اعداد البرامج بتلك الظروف، من التخطيط لها والأتصال، والقدرة على التواجد على الأرض لأدارتها. وأشار التقرير بأن التهديد للأمن الشخصي بدأ جلياً وشكل قضية اساسية في عرقلة الاداء، مما ادى الى استعمال اَلية الأدارة عن بعد Remote Management لأدارة البرامج داخل العراق.
ان ضعف الهيكل الأداري للصندوق بدأت تظهر نتائجه خلال تنفيذ عمليات الصندوق، مما اثر على القدرة لوضع توجه استراتيجي لبرامجه. وبالطبع ان احد الاسباب في ذلك هو ضعف كفاءة الحكومة العراقية السياسية والمؤسسية لأحتواء وتوجيه عمليات المرفق لأولويات الأعمار. اجتمعت لجنة المانحين بصورة منتظمة للفترة من 2005، الى 2007، والذي ترافق مع تردي الوضع الأمني في البلد وضعف قدرة الحكومة. ويضاف الى ذلك عدم المحاولة للأستفادة من الميزة التنافسية لكلا الأدارتين (البنك الدولي والأمم المتحدة) وتسخيرها في صياغة البرامج.
ومن الجدير بالذكر ان هناك اربعة عوامل اسهمت في عدم انشاء اَلية التنسيق بين نافذتي المرفق:
1. تعطيل نسق التعاون بين الجانبين بعد الأخلاء من بغداد بسبب تردي الوضع الأمني. وتبعاً لذلك بذلت الجهود لأعادة ترتيب الأوضاع في عمان.
2. فقدان سكرتارية المرفق Facility Coordination Committee لدورها، والتي كانت مسؤولة عن التنسيق في البرامج بين نافذتي المرفق وتلاشيها بمرور الزمن لعدم وجود الدعم لها.
3. لم يكن هناك ضغط واضح او طلبات معينة من لجنة المانحين او الحكومة العراقية لتوجيه عمليات المرفق. وهذا ما فضله كل من الأمم المتحدة والبنك الدولي لعدم الحد او الضغط او تلقي اي تعليمات. وبذلك بدأ الأدراك بمحدودية تأثير وفاعلية المرفق بالتجلي وخصوصاُ في 2007، وخاصة ببرامج منظمات الأمم المتحدة. وهذا الأنطباع قد سجل من قبل المانحين وكذلك الحكومة العراقية، حول الأنجازات الصريحة للمرفق الدولي على ارض الواقع او المشكلات التي صاحبت التنفيذ. وشكل ذلك مشكلة بالنسبة للمانحين لتوصيل المعلومات لجمهور الناخبين والدوائر الأنتخابية في بلدانهم، واعطاء التبرير للعمل في اجواء مشحونة بالمخاطر والبيئة المسيسة. وكان هناك قلق من مسألة الفساد بسبب ممارسات بعض الدول المانحة التي نفذت مشاريعها بطريقة ثنائية وليس من خلال المرفق الدولي. وبالرغم من توفر المعلومات والتقارير على الموقع الألكتروني للمرفق الدولي، إلا ان تلك المعلومات لاتعطي مؤشرات واضحة على الأنجازات الفعلية، وكيفية الأفادة من الموارد لأقصى حد ممكن.
بعد فحص العينة المتكونة من 17 مشروعاً منفذة من خلال المرفق الدولي، وبالرغم من الأقرار بالأثر الأيجابي الذي تحققه المشاريع، الا انها لم ترقى الى تحقيق اقصى الفائدة من الموارد المالية Value for Money، بسبب التأخير وتقليص مديات مخرجات المشاريع لأسباب تتعلق بالظرف الأمني، ونقص الأدارة التخطيطية والقدرة على متابعة المشاريع من قبل الحكومة العراقية، وخصوصاًمشاريع صندوق الأمم المتحدة. ويمكن تشخيص العوامل التالية كمحددات لأداء المشاريع والبرامج:
– لم تمارس الحكومة العراقية الملكية التامة للمشاريع المنفذة من خلال المرفق فبالرغم من ان استراتيجية التنمية الوطنية تعد انجازاً جيداً لكنها اطار عام لتوجهات استراتيجية لم تترجم الى برامج تنفيذية. كما ان مؤسسات الدولة تفتقر الى الأسس الضرورية لوصفها شريك مع المنظمات الدولية لتنفيذ المشاريع بسبب محددات سياسية وامنية واخرى تخص القدرات المؤسسية في استيعاب المشاريع المنفذة لصالحها. وبالنتيجة فأن التأخير المشخص بمشاريع الأمم المتحدة تراوح مابين 30% الى 45% و 60% الى 90% لمشاريع البنك الدولي (مع العلم بأن مشاريع البنك الدولي تستلزم فترة اطول للتنفيذ بسبب اتباعها لألية التنفيذ الوطنية).
– لم تقدم لجنة المانحين اي مساهمة تتعلق بتوجهات ستراتيجية للمرفق الدولي لفترة 2007-2004، في الوقت الذي كانت الحكومة العراقية تعاني من صعوبات مؤسسية وأمنية، مما كان يتطلب جهود اكبر من قبل المانحين. ومما شكل مسؤولية اضافية لرسم تلك التوجهات من قبل ادارة الصندوقين وخلق عبء اضافي لأدارة عمليات المرفق.
– لم يكن هناك اَلية للتنسيق المشترك بين ادارتي المرفق الدولي وتحديد الاسهامات التي تنسجم مع الميزة التنافسية لكل من الأمم المتحدة والبنك الدولي، وكذلك التي تنسجم مع ضروريات المرحلة المتوسطة الأمد التي تتمثل ببناء مؤسسات دولة كفوءة، في الوقت نفسه الذي توجه فيه المساعدات الى الحاجات العاجلة المتعلقة بالخدمات الأساسية.
– صنعت التقارير الدورية على مستوى المشاريع بطريقة سرد للحقائق المتعلقة بمخرجات ونشاطات المشاريع، مما ادى الى تراكم كم من المعلومات لايمكن الأستفادة منه لصناعة القرار والتخطيط. هذا إضافة الى محدودية نقل النواحي السلبية المنعكسة عن التنفيذ الفعلي لتلك المشاريع الى المانحين.
– وقد اشارت التجربة السابقة ايضاً الى وجود فجوات في المحاسبة، حيث توكل المسؤولية الكاملة الى منظمات الأمم المتحدة كل على حدة، دون وجود جهة مركزية لها الصلاحية لمراقبة الأداء وتأمين السيطرة النوعية. وبالرغم من اللجنة التوجيهية للصندوق لها الكلمة الأخيرة في اقرار تمويل المشاريع، الا ان ليس لديها وسائل لتأمين النوعية المطلوبة للتنفيذ والمراقبة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة