فوضى التشظّي والانقسام

لم تظهر حركات التغيير في العالم الا استجابة لتحديات مصيرية واجهتها الشعوب والعالم ومهما تعددت وتنوعت الاسباب التي تقود الى التظاهر والاعتصام والاحتجاج والاضرابات والثورات والانقلابات تبقى نزعة التغيير نزعة انسانية فطر الله الانسان عليها عند توفر المبررات الشرعية والحياتية التي تقتضيها مرحلة مؤطرة بابعاد زمانية ومكانية.
ومالم نؤمن بأن الدعوة الى التغيير هي دعوة الى الخير ومالم نؤمن بأن رسالة التغيير وجوهره ومضمونه يفترض الانتقال نحو الافضل وينشد الاصلاح وازالة الظلم وايقاف الانتهاكات او اعادة الحركة نحو مساراتها الصحيحة فلن يكون التوصيف دقيقا لهذه النزعة الانسانية وقد حدد الله اولى مراحل الانطلاق نحو التغيير عندما اوجب على الطامحين نحو الانعتاق من العبودية والظلم ان يغيروا (مابانفسهم) اولا كي يستطيعوا استكمال مسيرة الاصلاح ولربما كانت لحظة الشروع هذه اعظم لحظة في حياة الانسان فلاجدوى من ثورة او انقلاب او احتجاج ظاهري مجرد من الايمان القلبي.
واذا لم تحسن الشعوب والامم رسم ملامح الاصلاح واذا لم تتفق على الوسائل الناجعة والاهداف المرجوة فانها ستقع في محظور التشظي والانقسام حتى لو توحدت الارادة في التغيير ولطالما انحرفت ثورات وانقلابات وحركات شعبية عن مسارها واصابها التشظي والانقسام بغياب التنسيق وتشتت الوسائل واختلاف الاهداف ويحفل التاريخ الانساني بمشاهد متعددة لتحول ثورات بيض الى ثورات دموية واجهاض حركات سلمية كادت ان تصل الى اهدافها في الاصلاح والتغيير لولا اجتهاد طرف من الاطراف وانحراف فكر من شارك فيها او قادها واذا كان الثوريون ودعاة الاصلاح يبحثون عن ضمانات الوصول الامن لحركاتهم فلابد لهم اولا ان يحرصوا على تحديد مساحات التحرك وعلى توحيد الخطط والخيارات وتوفير اجواء الاطمئنان لمن يقف ورائهم ويدعمهم من الجمهور والمؤيدين فهناك دوما من يراهن على فشل الاداء وعلى فشل الوسائل وهناك من يراهن على التشظي والانقسام حتى ولو كانت شرعية التغيير متوفرة وحتى لو كان الاصلاح واجباً.
والفاسدون والفاشلون يتعكزون اليوم على الجدل والفوضى والتشظي املا بكسب الوقت وكسب الرهان ..وهناك اليوم في العراق من يريد لحركة الاحتجاجات التي تعددت منافذها وخياراتها ان تصل في النهاية الى الشلل في الحياة السياسية والاقتصادية واغراق البلاد في الفوضى والدماء ووأد حلم العراقيين بقطف ثمار حركتهم نحو الاصلاح وافراغها من محتواها ومثلما تحتاج الثورة ومثلما يحتاج الاصلاح والتغيير الى ارادة فانه يحتاج ايضا الى مهارة وحكمة وذكاء في تحقيق هذا الانتقال باقل التضحيات …نريده انتقالاً ابيض ونريدها حركة بيضاء.
د. علي شمخي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة