الدروس المستقاة ومتطلبات الإصلاح في العراق

إدارة المعونات الدولية
القسم الرابع
د. مهدي الحافظ
د. هدى عبد الملك العاني

رابعاً: اسلوب تقديم المعونة الدولية الى العراق
عرف البنك الدولي هيكل المساعدات Aid Architecture بانها مجموعة من القواعد و المؤسسات التي تحكم تقديم المساعدات الى الدول النامية. ويتميز نسق المساعدات بمرحلتين رئيستين الأولى مرحلة الحرب الباردة (1989-1946) و الثانية مرحلة ما بعد الحرب الباردة والتي تستمر منذ 1990 الى يومنا هذا. وهناك تصنيفات فرعية في كل مرحلة تعتمد على الفلسفة السائدة كما ذكر سابقاً.
ويمكن القول بأن المبادئ الأساسية للمساعدات يمكن حصرها كالتالي:
• كيفية تعريف المساعدات، حيث طرأت تغيرات على تعريف المساعدات مما اثر على التدفقات الموثقة عبر العقود.
تعرف المساعدات التنموية الرسمية Official Development Assistance بانها المنح والقروض التي تمنح من قبل الدول أو المنظمات المانحة الى البلدان النامية والى المؤسسات المتعددة الأطراف Multilateral Institutions بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه لتلك البلدان، ويشترط أن لايقل عنصر المنحة عن 25% من المساعدات. وإضافة الى الدعم المالي، تعد المعونة الفنية جزءاً من المساعدات التنموية الرسمية.
أن تعريف المساعدات وطريقة قياسها كانت موضع اختلاف بين الدول المانحة. فتارة يتم التأكيد على عنصر التنمية وتارة اخرى تشمل جميع التدفقات المالية الرسمية الى البلدان النامية في التعريف.
ولكن التعريف الحالي اعتمد في عام 1969، ليميز بين المساعدات التنموية عن غيرها من التدفقات المالية ذات الأهداف غير التنموية. فقد طرأ تغيير على التعريف عام 1972 ليضيف عنصر المنحة وكذلك استبدال مصطلح التنمية الاجتماعية بالرفاه (Welfare) . وما يزال هناك خلاف حول تضمين بعض التفاصيل مثل وضع الحد للنزاعات (Conflict Prevention) وبناء السلم و النشاطات المتعلقة بتثبيت الأمن(Peace Building).
وكان لتلك التغيرات اثر كبير على حجم تدفقات المساعدات الموثقة لدى لجنة المساعدات التنموية، حيث ارتفعت نسبة المساعدات بقدر 33% في عام 2005.

• المعدل المستهدف للمساعدات من الناتج القومي الاجمالي
طرحت فكرة المعدل المستهدف لأول مرة في عام 1958 ولكن لم يتم تبني معدل رسمي مستهدف للمعونات كنسبة من الناتج القومي الإجمالي للدول المانحة لحد الأن. وحسب مصادر لجنة المساعدات التنموية فقد سجلت السويد اعلى نسبة مئوية 0.99% من الناتج القومي الاجمالي كمعدل لعامى 2006-2005 وسجلت لوكسمبورغ نسبة 0.87% للسنوات نفسها، أما الولايات المتحدة فقد سجلت اقل نسبة بلغت 0.20%. أن معدل 0.7% من الناتج القومي الاجمالي لم يقر رسمياً ولكن تم تبنيه فقط من قبل بعض دول شمال أوروبا في السبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي.

• الغرض من المساعدات
كما اسلفنا سابقاً، فأن الدوافع المعلنة لتقديم المساعدات قد تغيرت خلال العقود التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، ففي الحقبة ما بين 1959-1946 تركز الاهتمام حول أعادة البناء والأمن. وكان الهدف الأساس هو التنمية الاقتصادية والتي ترافقت مع خليط من الدوافع الأخلاقية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بالدول المانحة. اما فترة الستينات من القرن الماضي فقد شهدت نشوء فكرة التعاون الانمائي. وكان التركيز حول خطط التنمية الوطنية و التنمية الصناعية كأساس للتنمية الاقتصادية.
اما في السبعينيات، فهي الحقبة التي شهدت جدل كبير حول جدوى المساعدات الأجنبية مما ادى الى حصول تغيرات كبيرة على مستوى التشريعات في الكثير من البلدان. كما حصل انخفاض كبير في حجم المساعدات من الدول المانحة الكبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في الوقت الذي سجلت فيه ارتفاعاً في بعض البلدان الأوربية واليابان. وبات الغرض من المساعدات في الولايات المتحدة هو تأمين الحاجات الأساسية وكذلك قطاعات التعليم والزراعة والتخطيط الأسري.
أما عن حقبة الثمانينيات، فأن الأزمة المالية حينئذ قد احدثت تحول في الاهتمام من تركيز رؤوس الأموال وتوفير الخدمات الأساسية، الى الاهتمام بصنع السياسات، و التي بدأت ببرامج الاقتراض لأغراض الإصلاحات الهيكليةStructure Adjustment . على افتراض أن زيادة فاعلية المساعدات تكمن في تحسين بيئة الإدارة الاقتصادية وصنع السياسات المطلوبة لها. واصبحت فكرة تكامل اقتصادات البلدان النامية مع الاقتصاد العالمي هي السائدة. مما يتطلب تبني سياسات تروج الى فكرة استراتيجيات التنمية المبنية على فكرة السوق المفتوح.
وعند حلول فترة التسعينيات، سادت افكار التنمية المستدامة كما بينا سابقاً. والأهم من ذلك هو شيوع فكرة الحكم الصالح Good Governance ، واعيد النظر بدور الدول في الإدارة الاقتصادية وبدأ الاهتمام ببرامج الخدمة المدنية واصلاح القطاع العام إضافة الى تنمية القطاع الخاص و الخصخصة.
بعد التحول الذي حصل في عام 2003 خضع العراق لضغوطات من المجتمع الدولي لأجراء مجموعة من الإصلاحات تمثلت بدخول العراق في سلسلة من الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي. بدأت باتفاقية المساعدات الطارئة لما بعد الأزمة عام 2004، والتي مهدت الشروط اللازمة لاتفاقية الترتيبات المساندة SBA عام 2005 تليها المرحلة الثانية للدخول في اتفاقية لدعم البرنامج الاقتصادي العراقي انتهت في مارس 2009. وبموجب الاتفاقيات المذكورة انفاً فأن حجم الدين الخارجي للعراق قد انخفض بنسبة 53%. ان الغرض من الاتفاقيات هو أن يبدأ العراق بسلسلة من الإصلاحات الهيكلية، يمكن فيها احتواء نسب التضخم العالية، وزيادة قيمة الدينار العراقي والتي هي من اهم ملامحها الأساسية، في حين اهلمت عناصر مهمة اخرى وهي نسب البطالة العالية. ويمكن القول ان الإصلاحات تلك كانت ناقصة ولم تأخذ بنظر الاعتبار الظروف المرحلية وضرورة مكافحة البطالة وتوفير فرص العمل عن طريق مشاريع ذات عمالة كثيفة، والتي يمكن ان تفضي بدورها لوضع حلول للمشكلة الأمنية. هذا إضافة الى السياسات النقدية المتشددة و التي ادت الى عزوف القطاع الخاص العراقي عن الاقتراض والشروع في الإسهام في مشاريع الأعمار.
لقد تم انفاق مبالغ ضخمة تفوق 50 مليار دولار كقيمة للمشاريع المنفذة في العراق من خلال القنوات الثنائية و المتعددة الأطراف، إلا أن تأثيرها كان محدوداً لأسباب تتعلق بمجتمع المانحين وأخرى تتعلق بمسؤولية الحكومة العراقية. ففي الفترة 2004 الى 2007، كان الاهتمام منصباً على استعادة البنى الارتكازية والخدمات الأساسية التي وصلت الى حد من التدهور لم يشهده العراق من قبل. ولكن التأثير المحدود لتلك المشاريع حول الاهتمام الى الحاجة الى بناء مؤسسات دولة فاعلة يمكن ان تشكل التوجه الرئيسي لمجتمع المانحين ضمن أطار واسع من مبادئ الحكم الصالح و التي تشمل تحسين آليات المساءلة ومكافحة الفساد ودور القانون واصلاح القطاع العام واصلاح الخدمة المدنية وضمان استقلاليتها من الضغوطات السياسية وكذلك رفع القدرات في مضمار صنع السياسات.
وتأتي الحاجة للمساعدات الفنية الموجهة الى بناء القدرات المؤسسية ضرورة ملحة للعراق في المرحلة المقبلة، خاصة وأن ما انفق في هذا المجال في الفترة المذكورة انفاً لم يتعد فرص تدريبية لأفراد ضمن وزارة أو مؤسسة معينة، ولم يرق الى مستوى البناء الحقيقي للمؤسسات و الذي يتطلب الشروع بتقييم واقع حال المؤسسات وهيكلتها وتعيين مواطن الضعف والقوة و القدرة على الأضطلاع بالمهام الموكلة اليها.

خامسا»: أدارة المساعدات الدولية
نظراً للتعقيد الذي يحيط بنسق المساعدات الأجنبية و التي ادت الى انخفاض فاعلية المساعدات وذلك لتعدد الأغراض من تقديم المساعدات و التي غالبا ما تكون متسقة مع سياسات الدول المانحة وليست بالضرورة متطابقة مع الحاجات المحلية للبلدان المستفيدة من المساعدات، فقد بات من الصعب وضع قواعد لادارة المساعدات. وبالرغم من ان ادارة المساعدات هي مسؤولية مشتركة بين الدول المانحة و المستفيدة من تلك المساعدات، ولكن على الأغلب تأتي تدفقات المساعدات في الوقت الذي تعاني فيه الحكومة من ازمة في الحكم وضعف المؤسسات وتردي الأوضاع الامنية، والذي جعل من الأثر الأيجابي لتلك المساعدات محدوداً، نظراً لأنشغال الحكومة بمكافحة الأرهاب واستباب الأمن. هذا إضافة الى قدرة مؤسسات الدولة المحدودة على استيعاب المساعدات و المشاركة الفعلية مع المؤسسات المانحة في عمليات التخطيط و التنفيذ، هذا إضافة الى ضعف الألتزام من جانب الحكومة لهشاشة الوضع السياسي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة