الأخبار العاجلة

الصحافة الورقية ما زالت ممتعة

فيصل الياسري
اعلامي ومخرج عراقي
بين حين وحين آخر نسمع عن توقف صدور بعض الصحف الورقية في مختلف انحاء العالم، وغالبا ما تكون الأسباب ضيق ذات اليد وشحة الموارد وانعدام التمويل، وكثيراً ما تكون بين الصحف المتوقفة عن الصدور جرائد رصينة عريقة ذات تاريخ مجيد في دنيا الاعلام المطبوع.
وشهدت الساحة الإعلامية العربية مؤخراً تعطل صدور صحيفتين لبنانيتين عريقتين / وفي تحقيق تلفزيوني على احدى الفضائيات نسب المتحدثون من ذوي الاختصاص الإعلامي أسباب توقف طباعة الصحف الورقية الى أمور شتى منها، قلة الموارد وتناقص او انعدام التمويل السياسي والاقتصادي او الحزبي، انخفاض حجم التوزيع والبيع، شحة الإعلانات وخاصة الإعلانات الرسمية (الحكومية)، تنافس وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية.
وفي مقابلة تلفزيونية أخرى أضاف احد المسؤولين في صحيفة على وشك توقف طبعتها الورقية الى الأسباب المسببة هي الأوضاع السياسية المضطربة في بعض البلدان العربية والصراعات المسلحة في عدد منها مما اربك عمليات التوزيع والتمويل والإعلان
اما اغلب المواطنين من الجنسين الذين استطلع رأيهم التحقيق التلفزيوني فقالوا انهم لا يقرأون الجرائد الا نادرًا وعن طريق المصادفة فقط، مبررين ذلك بان وسائل الاتصال الالكترونية وخاصة الهاتف المحمول تقدم لهم الاخبار بأنواعها بصورة آنية لحظة حدوثها وهي (تازة) ولا ينتظرون قراءتها (اكسباير) في جريدة اليوم التالي الذي يكون فيه الخبر قد تغير او تطور او زال إثره.
نعم، ان عصرنا الالكتروني وضع امامنا خيارات متنوعة وحيوية لمتابعة الاخبار ومسيرة الاحداث هنا وهناك وفي كل مكان، كما مكنتنا الأجهزة الحديثة المحمولة والسريعة التطور من متابعة ما نشاء أينما نكون شريطة توفر إمكانية الارتباط بشبكة الانترنيت، ومع كل هذا تبقى للصحافة الورقية نكهتها الخاصة إضافة الى كونها ليست مجرد اخبار اكسباير، فهي متنوعة المضمون والأساليب، ولتقليب صفحاتها متعة وجاذبية تلمسها بين اصابعك.
انا اقرأ جريدة العرب في طبعتها الإلكترونية، ولها جاذبيتها وحسنة سرعة اختيار ما اريده بسبب حسن الترتيب والتبويب، وأيضا لسرعة وصولها لي وانا في بيتي امام الكمبيوتر، ولكنني استمتع أكثر عندما امسك جريدة العرب الورقية بين يدي. حيث اشعر ان بيني وبينها علاقة وجدانية حميمة، وان ما اقرأه يبقي عندي، لي، مجسداً بين يدي او ينتظرني فوق مكتبي او جوار مقعدي اعود اليه متى شئت.
صحيح انني أستطيع ان اعود متى اشاء الى مواقع النشر الالكتروني واسترجع ما اريده او ما فاتني، هذا ان بقي متاحاً على الانترنيت، وان اتصفح بسرعة وانا في الطريق او في وسائط النقل، ولكن لتصفح الجريدة الورقية نكهة خاصة اكثر من مجرد الاطلاع على الاخبار وهي بلا شك في الجرائد اخبار الامس ، ولكن الجريدة تحتوي على الكثير غير ذلك، صحيح ان الجريدة الورقية لا تنافس المواقع الالكترونية ولا البث الفضائي المباشر من حيث السرعة والتكثيف والانية والصورة والصوت المرافق والمؤثرات المرئية والمسموعة. ولكن الجريدة بين يديك تختلف من حيث التفاعل النفسي معها او المشاعر.
يقول العلماء انه كلما ازداد عدد الحواس التي تشارك في نشاط انساني معين زاد إحساس الشخص بما يفعل او يمارس، وانا اعتقد ان معظم الحواس تشارك في عملية قراءة الجريدة الورقية، أولا حاسة البصر طبعا حيث نقرأ ونشاهد الصور والخطوط ثم حاسة اللمس حيث نمسك الجريدة ونتلمس اوراقها، وحاسة السمع حيث نسمع صوت ورقها وتقليب صفحاتها، وحاسة الشم حيث رائحة الورق والحبر والطباعة، وربما حتى حاسة التذوق لمن يبلل طرف أصبعه كي يقلب الصفحات!! في حين وانت تتابع الخبر على المواقع الالكترونية والموبايل تستعمل حاسة البصر وربما أيضا حاسة السمع!
ربما في فرضيتي هذه شيء من الطرافة او المزاح، ولكن فيها بالتأكيد الكثير مما يستدعي التفكير والتأمل حول متعة التعامل مع الصحافة الورقية التي تتراجع منزلتها العملية والاجرائية امام زحف وسائل النشر الإلكترونية بسبب طبيعة العصر الذي نعيشه، عصر العجلة والوجبات السريعة ع الماشي التي قللت من جلوس الناس المتروي الى موائد الطعام المتنوعة الشهية … التي هي الصحيفة الورقية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة