جرائم الحرب

ماذا ينبغي على الجمهور معرفته ؟
يتناول هذا الكتاب جرائم الحرب ومجرمي الحرب في ظل غياب نظام قانوني وافتقار الإرادة الدولية للسلام… في الوقت الذي ما يزال الشرق الاوسط غائباً عن خريطة أية محكمة جرائم حرب…ولأهمية ما جاء في الكتاب من أفكار وآراء، تنشر “الصباح الجديد” فصول هذا الكتاب على حلقات متسلسلة
الحلقة 36
تقديم: حنان عشراوي – تحرير الطبعة الدولية: روي غتمان وديفد ريف – تحرير الطبعة العربية: داود كتاب – ترجمة: غازي مسعود
‏وتنص هذه المادة “الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية . . . يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية من دون أي تمييز ضار يقوم على الجنس أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو المولد أو الثروة “. وتحظر المادة” المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة” و”الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب “.
‏ويجب أيضاً أخذ ميثاق نورمبدغ بعين الاعتبار . فالمادة السادسة تعرف “الجرائم ضد الإنسانية” لتشمل “القتل، التصفية، الاستعباد، الإبعاد، وأفعالا أخرى لا إنسانية ترتكب ضد أي سكان مدنيين، قبل الحرب أو بعدها” وأوضحت محاكمات نورمبدغ بأن نقل السكان جريمة حرب .
‏كان أغلى ما ملكته السيدة محمد وفتش صورتين لابنيها اللذين بلغ عمر الأول منهما سبعة وعشرين عاماً والثاني خمسة وعشرين عاماً عندما جرا من منزلها. حملت الصورتين إلى بوبوفتش، الحارس الصربي في فلازنشيا ومن صبأ. لم أخطئ نظرة تعرفه. أخبرني أن الصبيين أعدما في معسكر سوزيكا .
‏التدخل الإنساني
ديفد ريف
في عز حصار سراييفو، عندما كانت مئات القذائف تضرب العاصمة البوسنية كل يوم، اعتقد عديدون هناك أنهم لن ينجوا. فباستمرار تم اعتراض جسر الأمم المتحدة الجوي، الذي وفر المواد الغذائية لعديد من الذين كانوا سيجوعون لو لم يتم، من قبل القوات الصربية التي كانت تقصف مدرج المطار مراراً وتكراراً. وبينما كانت الشهور تتحول إلى أعوام ولم يرفع الحصار، بدا لأهل سراييفو ولعديد من الأجانب المتعاطفين معهم، أن المدينة ستدمر إن لم يتم نوع من التدخل الخارجي. سألتني ممثلة تعمل في مسرح سراييفو القومي في شهر كانون ثاني 1993 ‏، “كيف تستطيعون في الغرب السماح لهذا الأمر بالاستمرار؟ وأضافت “أسناني تسقط” الأكزما تغطي جلدي، لم استحم لشهوره وأنا إنسانة منعمة بمقاييس هذه البلدة. إنني لا أعرف. شخصاً واحداً في الخارج يفهم حقاً ما يجري هنا؛ تعتقدون جميعاً أننا شعب بلقاني متوحش نجري وراء شهوتنا العرقية القديمة للدم. طبعاً هذا كلام فارغ تماماً. ولكن حتى إذا كان ذاك ما تعتقدون، حتى وان لم تأتوا لمساعدتنا لأن الحق إلى جانبنا، لم لا تستطيعون مساعدتنا لأسباب إنسانية؟ لم لا تستطيعون أن توقفوا الحصار على الأقل؟”
‏فوق رأسينا، كأنها ترقص الباليه، مرت نفاثة في سماء بعد الظهر. كانت نفاثة للناتر تقوم بمهمة استطلاع روتينية. ابتسمت الممثلة وقالت “لو تستطيع الغوص والقاء بضع قنابل لاستطعت الاستحمام”.
‏كانت محقة بشأن الخبل الذي أثر على معظم الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية وهم ينكرون بالبوسنا. كان الذين اعتقدوا بضرورة مساعدة حكومة البوسنا لأنها محقة أقلية صغيرة دائماً، حتى بين من آمنوا بضرورة استعمال العنف لإنهاء التطهير العرقي وحصار سراييفو. وكان من الشائع سماع حجة مفادها أن ما يجري مرعب بما يكفي، بكل بساطة، لوقفه، واذا كان ضرورياً استعمال وسائل عسكرية فلتستعمل. بكلمات أخرى، ما كان معقولاً لدى الأغلبية العظمى ممن اهتموا بالوسنا _ وكانوا حتى في عز المذبحة نسبة صغيرة من الجمهور الغربي _ ليس تدخلا سياسياً بل تدخلاً لا بد منه لأسباب إنسانية فقط.
‏وفي النهاية، عندما أجبر القتل الجماعي لسبعة آلاف رجل وصبي مسلم في سربرنيكا الدول الغربية على العمل، فعلت ذلك لا لعزم سياسي على استعادة دولة بوسنية موحدة بل لدافع إنساني. استنتج القادة الغربيون أخيراً بأنه لا يمكن السماح لسفك الدماء والذبح أن يستمرا.
‏والتدخل الإنساني فكرة فعالة ممتازة وغامضة جداً في الآن نفسه. إذ لا يوجد تعريف قانوني رسمي له، ولكن قاعدته الجوهرية هي أن من حق الدول الخارجية، وربما في بعض الظروف من واجبها، التدخل لحماية أناس يقعون ضحايا في بلدان أخرى، حتى وان كان ما يحصل نزاعاً داخل دولة. وفي حين كانت التدخلات الكلاسيكية ذات صفة سياسية وتشمل تدخل دولة إما لفرض لم رادتها بالقوة على دولة أخرى أو لمساعدة دولة أخرى (وبذلك، ولأغراض عملية، لا تتحدى الفكرة القديمة القائلة بحرمة سيادة الدولة)، فإن التدخلات الإنسانية تعني تحدياً مباشراً لمثل تلك الأفكار عن السيادة. والأمر صحيح بخاصة في تدخلات مباشرة في الشؤون الداخلية لدولة مفردة. وبمعنى أعمق، تتجاوز هذه التدخلات اعتبارات صحة أو عدم صحة نزع ما سياسياً. فما يهم، من منظور الدولة أو مجموعة الدول التي تفكر بالتدخل الإنساني، أثر النزع على المدنيين.
‏ويتمثل نموذج على هذا النوع من التفكير في الجدال الذي دار سنة 1996 ‏حول اقتراح كندي بالتدخل الإنساني في ما كان آنذاك زائير الشرقية، لحماية ملايين اللاجئين الهوتيين الذين كانوا يتعرضون لخطر هجمات القوات الرواندية التي يقودها التوتسيون ولخطر مد وجزر الحرب الأهلية الزائيرية. حاجج الكنديون بان حقوق السكان المدنيين تفوق وزناً أية اعتبارات أخرى، بما فيها الأثر الذي قد يتركه مثل ذاك التدخل الإنساني على الصرع السياسي الذي كان داثراً آنزاك في زائير. وكان الذين حاججوا ضد التدخل يقولون عملياً إن الضرورات الإنسانية وحدها لا تبرر مثل ذاك التدخل الخارجي. وحاجج آخرون أيضأ محذرين من أن التنبؤ بأثر التدخل العسكري الإنساني على المدى البعيد مليء هو نفسه بالشك.
‏وباعتباره مسألة خاضعة للقانون الدولي، يظل التدخل الإنساني أمراً يتعلق على نحو صرف بالأولويات السياسية للشخص الذي يحاجج. ويبدو أن من المقبول بعامة أن باستطاعة مجلس الأمن إعلان أن أي شيء يرغب فيه تهديداً للسلام والأمن الدوليين”، دون خضوع لأية قيود قانونية موضوعية أصيلة بل فقط لحق الفيتو السياسي الذي يتمتع به الأعضاء الدائمون. فقراراته يشكلها الرأي العام والنشطاء الدوليون والسي. إن إن، واعتبارات أعضاء مجلس الأمن السياسية، وبالمثل قوانين وسياسيات أعم وأكثر مبدئية. والقفزة في القانون الإنساني الدولي من الأحكام التي تهتم بإيصال المعونة الإنسانية إلى الأحكام الخاصة بالتدخل العسكري قفزة طويلة، إلا إنها ليست طويلة ليقفزها أصحاب الدوافع السياسية.
‏ففي الممارسة، طالما استعمل التدخل الإنساني تبريراً للتدخل في نزاع لا يتمتع بدعم محلي لمزيد من التدخلات السياسية الصريحة. فقد ثبت بنحو ملحوظ أن الجمهور في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، برغم كل الحديث عن التعب من الشفقة، متعاطف مع استعمال القوة لتجنب مصيبة إنسانية أو إيقافها عند حدها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يزال التدخل الإنساني تبريراً لدوافع سياسية أخرى. ففي رواندا، سنة1994 ‏, افترض بعامة أن التدخل الإنساني الفرنسي الذي دعي بالعملية الفيروزية استخدم الإلحاحية الإنسانية غطاء لقرار فرنسا ‏الاستمرار في محاولة التأثير على الأحداث في منطقة بحيرات :افريقيا الكبرى بالقوة العسكرية, وبشكل خاص، لإنقاذ الحكومة المدعومة فرنسياً، برغم سياسة الإبادة التي تتبعها. وتاريخياً، بررت عديد من الحملات الإمبريالية التي شنتها الدول الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر على اسس إنسانية.
لدوافع سياسية اخرى. ففي رواندا، سنة 1994، افترض بعامة أن التدخل الانساني الفرنسي الذي دعي بالعملية الفيروزية استعمال الإلحاحية الإنسانية غطاء لقرار فرنسا الاستمرار في محاولة التأثير على الاحداث في منطقة بحيرات أفريقيا الكبرى بالقوة العسكرية، وبشكل خاص، لإنقاذ الحكومة المدعومة فرنسياً، رغم سياسة الإبادة التي تتبعها. وتاريخياً، بررت عديد من الحملات الإمبريالية التي شنتها الدول الاستعمارية الاوربية في القرن التاسع عشر على أسس إنسانية.
واليوم اصبحت التدخلات بعامة بنا افكار بيروقراطي الامم المتحدة ومنظمات الغوث الانسانية غير قادرين على العمل بأمان في مناطق النزاع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة