الأخبار العاجلة

أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
سلالة الطين.. سيرة مأساة
القسم الثاني
ويصف المؤلف أحداث سفرته الثانية إلى الكوت عندما كان أبوه على فراش الموت واحساسه بالذنب لهربه من منظر الموت . . . خصوماً عندما أعلمه الأهل بان الأب قد افاق من غيبوبته ليقول جملة واحدة:
‏- عطا الذي احب وينه , ويعود ثانية إلى الغيبوبة .
‏وبرغم أن القسم الأول من السيرة يتضمن الكثير من المواقف والحكايات الطريفة التي صاغها المؤلف بأسلوبه الأخاذ فإن المقام لا يسمح إلا يذكر بعض النماذج المختارة .
‏ففي سفرته الأولى إلى الكوت لوحده من دون مرافق من العائلة وكان عمره بحدود السبع سنوات يتطرق الى صاحب السيدية الجالس بجواره والذي اوصاه اعمامه بالاهتمام بالطفل وايصاله إلى بيت خالة في الكوت في ذلك الزمن وكيف أتى هذا الرجل على متاع الطفل بدأ بالدجاجة وانتهاء بآخر لقمة في كيس المتاع وهو يكرر مع كل قضية جملته:
‏- لا تدير بال . . . سأوصلك إلى باب بيت خالك .
‏ومن أجمل ما يورد المؤلف حكايات العوران الأربعة الذين التقى بهم خلال الجزء الأول من رحلة حياته .
‏أول هؤلاء العوران:هو خورشيد صاحب النظارة السوداء ‏الذي يحتل المقعد الأمامي للسيارة التي أقلته برفقة خالة عزت وزوجته التركية المتأنقة أبله أمينة, إلى الموصل, وقد كان سياق السفرة يقتضي التوقف في بيجي في انتظار لتجمع قافلة السيارات للتحرك سوية حذرًا من السلابة المتواجدين في المنطقة ما بين بيجي والشرقاط. وعندما توقفت السيارة نزل السيد خورشيد مستصحباً كيسه الطويل الذي كان يحتضنه بعناية طيلة الرحلة . . وتبعة عطا يجلس معه عند حافة تل صفير . . فتبسط الرجل معه بالحديث ثم آخرج من كيسه كمنجة وعزف عليها . . “وين رايح وين” وهنا دفع حب الاستطلاع عطا إلى سؤاله:

– لماذا تضع نظارة سوداء على عينيك .
فخلع الرجل نظارته قائلا:
‏- أنظر الى عيني اليسرى . . انها مصابة .
‏ثم شرح له كيف اصيبت عينة في أثناء أيام المحيه وتعقبه لزنبور أشعله فدخل في فتحة المرزيب . . وعندما انحنى لينظر في فوهة المرزيب ارتد عليه ولطش على عينة وأعطبها تماماً .
وقد التقى المؤلف بالشخص نفسه بعد سنين عديدة في بيروت في إحدى حفلات الكوكتيل ولكنة لم يجرؤ على تذكيره بلقائهم الأول وقضية الزنبور مراعاة للجو الدبلوماسي المتكلف .
‏والأعور الثاني . هو مصارع الزور خانات الشهير عباس الديك الذي شاهد نزاله مع المصارع الألماني الهركريمر والتي أقيمت في ساحة المتوسطة الغربية وحضرها المؤلف بوصفه طالباً في تلك المدرسة . ومن طريف ما يذكره هنا أن الحكم كان احد أصحاب الزور خانات البغدادية يرتدي الكشيدة وقد ظهر في وسط الحلبة بكامل قيافته من زبون وعباءة وبقية الملحقات . . . وما هي إلا لحظات حتى خمط الحاج عباس الديك غريمه من كسوته المطرزة والقاه ارضًا ونام عليه وعلى الفور خلع الحكم كشيدته واخذ يشومر بها ويصبح . ما شاء الله . . . بطحة .. ما شاء الله بطحة . . وكان ما كان من هياج وهرج وموج وتكسير للكراسي احتفالاً ببطل العراق . . . وبعد أيام تم تكريم البطل المنتصر بتعيينه ملاحظا في وزارة العدل برغم أنه لا يجيد القراءة والكتابة وربما لا يجيد حتى المصارعة باصولها الفنية الدولية .
‏أما الأعور الثالث. فهو الأستاذ منير القاضي . . سكرتير مجلس الوزراء الذي راجعه المؤلف عندما كان حاكماً لأجل المصادقة على شهادة الحقوق التي يحملها حيث كان ينوي التقدم إلى بعثة علمية . . . وقد نظر سيد منير إلى الدرجات ورفع نظره متعجبا ويقول .
‏- شنو هذا . . كلها جيدًا جداً . . حتى بدرسي “المجلة” «المجلة» شفهي وتحريري لكن آني ما شايفك بالكلية .
‏ومرة أخرى لم يجرؤ المؤلف علي بيان السبب في عدم تذكره لآن رحلته في قاعة الدرس كانت في جهة “الصفحة الجول” من نظره .
‏أما آخر العوران : فهو مميز وزارة العدل السيد عبدالوهاب افندي النائب الذي زار السيد عطا ملاحظ التحوير في مكتبة بالوزارة نفسها وكان مرشحاً لشغل منصب حاكم، كان السيد عبدالوهاب كما يصفه المؤلف رجلا مسناً وسيم القسمات يرتدي السدارة الأنيقة ويضع على عينية النظارة السوداء لإخفاء العاهة . . . وعندما لاحظ حيرة وتهيب المرشح من الوظيفة الكبيرة الجديدة عليه هون عليه الأمر بتذكيره بالقاعدة القانونية الكلية “البينة على من ادعى واليمين على من أنكر” قائلا :

‏- المسألة بسيطة, مدعي ومدعى عليه . . تسأل المدعي عن دعواه, ثم تسأل المدعى عليه فإذا أقر فيها تحكم فينتهي الأمر, إذا أنكر تكلف المدعي البينة فإذا عجز تحلف المدعى عليه باليمين وينتهي الأمر .
‏فكان كلامه البسيط غير المتكلف هذا أبلغ من جميع المحاضرات التي سمعها في كلية الحقوق كما ‏يقول المؤلف وانه كان البلسم الذي تلاشى معه التهيب والتردد والحيرة.
‏ومن الحكايات الظريفة الأخرى قصة التمثيل . . . فعندما كان في الصف الخامس الثانوي اضيفت للمنهج الدراسي دروسأ اختيارية كالتمثيل والموسيقى والخطابة فاختار التمثيل الذي تولى تدريسه الأستاذ حقي الشبلي العائد تواً من باريس وفي الدرس الأول طلب الأستاذ من كل واحد من التلاميذ أن يقرأ بيتا من الشعر ليتسنى له اختيار الممثلين لتوزيع ادوار مسرحية مجنون ليلى لاحمد شوقي حسب لياقة الصوت وطريقة الأداء وعندما وصل الدور للمؤف انبرى قارئا:
‏اعانقها والنفس بعد مشوقة إليها وهل بعد العناق تدان
‏فإذا بالجميع يصيح . . . الله . . . الله . . . ويبتسم الاستاذ الشبلي راضياً معلناً اختياره لتمثيل دور” ليلى” ويالها من صدمة بل مصيبة أنذاك.
‏فاقناع الأهل بالولوج في درس التمثيل كان بحد ذاته مشكلة عويصة فما بلك بتمثيل دور انوثي مهين للرجولة . . فكان القرار الحاسم بترك درس التمثيل جملة وتفصيلا .
‏ومن طرائف الحكايات قصة النزهة التي قام بها المؤلف مع ثلة من رفاقه بينهم رشيد الزهاوي والدكاترة خليل الشابندر وعصام العمري وكليمان توما حيث تفتق ذهن خليل الشابندر باقتراح مثير استفزهم إلى رهان, بأن يثبت ربع دينار على رأس عصام العمري ثم يصيبه بالمسدس من مسافة ثلاثين خطوة. وضع عصام الربع دينار على رأسه وخطا خليل الخطوات الثلاثين بخطوات عسكرية واستدار واطلق النار فأصاب الربع دينار وكسب الرهان . . ومع لحظات الإثارة هذه فوجئ الجميع بسقوط احدهم . . ليس الذي اطلقت عليه النار بل احد المتفرجين فقد سقط كليمان توما الذي بدأ يتمتم عند إفاقته بشتائم لا رابط لها بلهجته المسيحية .

‏- كلب بن كلب . . شابندر . . والله عبالي ديتشاقه .
‏وكان رشيد الزهاوي أكثر الحاضرين طرباً بسقوط كليمان فكان يغص بالضحك فيفوص كرشه في بدنه السمين ومرت الايام والصدفة تترصد لتذيقه من الكأس نفسه الذي شربه كليمان. ففي أحد الايام اقترح رشيد على عطا مرافقته الى مستشفى الكرخ حيث يعمل اخوه الدكتور موفق جريحاً لمعالجة ابهام قدم الاستاذ عطا الــذي دخــل اظفر في لحمه. وبعد الفحــص قــرر الطبيبان موفق وصائب شوكت اجراء عملية جراحية لقلع الظفر ببنج موضعي…يقول الاستاذ عطا أنه عندما افاق من أثر البنج لم يرَ أحداً الى جانبه وإنما كان الجميع مجتمعين في احدى زوايا الصالة لمعالجة رشيد الذي فقد شعوره من منظر العملية، والاطراف من هذا انهم اعلموه بأنه ما أن اخذه البنج حتى بدأ يشتم رشيد عالي بصراخ فظيع برغم أنه كان مؤيداً لحركته عام 1941.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة