الأخبار العاجلة

الدروس المستقاة ومتطلبات الإصلاح في العراق

إدارة المعونات الدولية
القسم الثالث
د. مهدي الحافظ
د. هدى عبد الملك العاني
ثانيًا»: البنية المؤسسية لإعادة الاعمار وآليات التنسيق مع المانحين
شرع العراق منذ عام 2003 بعملية تحول سياسي واقتصادي من دولة شديدة المركزية الى دولة ديمقراطية تعددية، ومن اقتصاد مركزي شديد الارتباط بالدولة الى اقتصاد يعتمد مبادىء السوق الحر. ولكن تعثر العملية السياسية والاخفاق في الشروع لبناء مؤسسات قادرة على الاضطلاع بمهام اعادة الاعمار ولتكون شريكة مع المنظمات المانحة، هذا اضافة الى الظرف الامني والعنف الطائفي الذي ساد العراق وخصوصاً في الفترة 2004 الى نهاية 2006 كل تلك العوامل ادت الى تأخر وتلكؤ اعادة الاعمار والتنمية بالرغم من المبالغ الضخمة التي انفقت سواء أكانت من مصادر خارجية او من موارد محلية.
عند مراجعة تجارب الدول التي مرت بحروب وأزمات نجد ان من الصعب ايجاد نماذج ناجحة لاعادة الاعمار ما بعد الازمات، ولعل من الاسباب التي يمكن تشخيصها هي النظر الى اعادة الاعمار على انه مجرد اعادة بناء وليس حالة تكامل بين الاهداف التنموية الاقتصادية والاجتماعية واعادة تحديد شكل العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الوطنية والمحلية، لاسيما وان المجتمع في الازمات تمزقه الصراعات والمشكلات والتي تتفاقم في حال استمرار حالة عدم الاستقرار وتهديد الامن الشخصي للانسان، حيث ينظر عادة الى الامن والاستقرار كركيزة اساسية وشرط اساسي للشروع باعادة الاعمار والتنمية.
وفي هذا السياق لا بد من الاشارة الى ان مصدر الهشاشة (Fragility ) في العراق هي ضعف القدرة المؤسسية لتقديم الخدمات وضمان الامن الشخصي للمواطنين. لاسيما ان ما حصل من انهيار للمؤسسات عام 2003 كان سبباً قوياً للشروع في بناء الدولة من خلال التزام الحكومة والمجتمع الدولي بتوجيه المساعدات الدولية لهذا الغرض.
ولغرض التحول من هشاشة مؤسسات الدولة الى حالة الاستجابة والفاعلية، لابد من توفر مزيج من القدرات والموارد والشرعية. ان التحول الديمقراطي في العراق قد اسس لشرعية الحكومة عن طريق الانتخابات وان هنالك من الموارد ما تستطيع به الحكومة البدء بالبناء المؤسسي عند توفر الارادة السياسية والقدرة على الاداء. ولكن هشاشة العملية السياسية وتعاقب عدة حكومات وما رافقها من تغيير مكثف ومستمر للملاكات، ادى الى عدم ديمومة المحاولات الاصلاحية سواء كانت من الحكومة ام من مجتمع المانحين. هذا اضافة الى عدم قدرة العملية السياسية الى الارتقاء بما هو وطني عراقي وانما اقتصر على التفكير المناطقي الضيق مما اثر على سير اعادة الاعمار والتنمية. وما قدم من مساعدات لبناء القدرات المؤسسية لم يستطع النهوض بالواقع المؤسسي بسبب سطحية اختيار برامج التدريب وبناء الملاكات التي لم ترق الى مستوى البناء الصحيح للملاكات المؤسسية وعدم الفهم الصحيح لها او التغاضي عن ذلك لتمرير انفاق الاموال من المنح والمساعدات.

ثالثا»: برامج اعادة اعمار العراق
انجزت دراسة تقدير الحاجات UN/WB Joint Iraq Needs Assessment من قبل البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وفق قرار مجلس الأمن الدولي 1483 لغرض تقديمها الى مؤتمر المانحين في مدريد في أكتوبر 2003 . تم التركيز في الدراسة على الحاجات الملحة للاعمار لعام 2004 وحاجات اعادة الاعمار للفترة 2005-2007 . غطت الدراسة 14 قطاع إضافة الى بعض المواضيع المشتركة بين القطاعات وتشمل حقوق الانسان والنوع الاجتماعي والبيئة. وإضافة الى اعادة اعمار البنى الارتكازية، ابرزت الدراسة الحاجة الى بناء المؤسسات لتعزيز السيادة الوطنية والشفافية والحكم الصالح و دعم عملية التحول عن طريق النمو الاقتصادي وتوفير الحماية الاجتماعية. أما قطاعي الأمن والنفط فقد تم توليها من قبل سلطة الاتلاف المؤقتة.
قدرت الدراسة كلفة اعادة الاعمار على الأمد المتوسط ب 36 مليار دولار على أن تنفق 9 مليارات منها عام 2004. ويغطي المبلغ المذكور كلف اعادة الاعمار والمساعدات الفنية والتدريب إضافة الى الكلف الادارية المطلوبة ضمن القطاعات الأربعة عشر. أما قطاع الأمن والبنى التحتي للقطاع النفطي، فقد قدرت الكلف ب 20 مليار دولار من قبل سلطة الاتلاف المؤقتة. أما عن الكلف الجارية، فلم تخمنها الدراسة على افتراض تغطيتها من خلال الموازنة العامة للدولة.
بنيت الدراسة على افتراض أن ليس كل الحاجات الموثقة في الدراسة سوف يتم تمويلها من خلال المساعدات، وانما من خلال موارد موازنة الدولة والقطاع الخاص، وبمرور الزمن يقل الاعتماد على المصادر الخارجية للتمويل، شرط توفر الاستقرار الأمني، والذي يفضي بدوره الى زيادة انتاجية النفط وكذلك خلق المناخ الملائم للاستثمار المحلي والأجنبي.
في اكتوبر 2004 ، وضعت الحكومة الانتقالية مسودة استراتيجية التنمية الوطنية وهي رؤية متوسطة الامد للاصلاحات المطلوبة، ترتكز على التأكيد على مبادىْ السوق للإدارة الاقتصادية والتنوع الاقتصادي للموارد إضافة الى توفير شبكات الحماية الاجتماعية، هذا إضافة الى تركيز الاصلاحات في مجال حل مشكلة الديون العراقية الخارجية والتي قدرت بستة اضعاف الناتج المحلي الاجمالي في 2004 . وقد ربطت مسألة تخفيض الدين العراقي ومن ضمنه تخفيض ديون نادي باريس، باداء العراق بموجب برنامج يموله صندوق النقد الدولي وهو المساعدة الطارئة لما بعد الصراعEmergency Post Conflict Assistance الذي اقر في ايلول 2004. جرى تحديث للاستراتيجية الاولى للتنمية الوطنية، والتي تتمثل بالنسخة الثانية لها2005-2007 والمقدمة الى مؤتمر المانحين في الاردن/ البحر الميت في تموز/ 2005والتي تمحورت حول اربع قضايا اساسية للإصلاح وهي تقوية اسس النمو الاقتصادي واحياء القطاع الخاص وتحسين نوعية الحياة وتقوية اسس الحكم الصالح وتحسين الوضع الامني.
وتمت صياغة العهد الدولي مع العراق ليكون برنامجا للاصلاح الاقتصادي والسياسي والامني التزمت به الحكومة العراقية تجاه المجتمع الدولي . وتركزت خطة الاصلاح حول المحاور الستة الاساسية التالية: ادارة الموارد العامة؛ تعزيز المؤسسات ورفع مستوى الادارة؛ الاصلاح الاقتصادي؛ التنمية البشرية والامن البشري؛ الطاقة( النفط الغاز والكهرباء)؛ واستراتيجية الزراعة وادارة المياه. وقد احرز بعض التقدم في تحقيق مؤشرات الاصلاح في الميادين الستة المذكورة الا ان ضعف اداء مؤسسات الدولة وعدم الالتزام الكامل بخطط الاصلاح الموضوعة وترجمتها الى برامج عمل حالت دون تحقيق الاهداف المرجوة منه، هذا إضافة الى عدم تقديم الدعم المطلوب من المجتمع الدولي وخاصة فيما يخص اطفاء ديون العراق واعادة العراق الى حظيرة المجتمع الدولي.
وقد تم تحديث النسخة الثانية من الاستراتيجية لتقدم في مؤتمر المانحين في اسطنبول عام 2007 لتمتد للفترة من 2007-2010 . لتكون الاهداف الاساسية لها (إضافة الى الدعائم الاربع للاستراتيجية الثانية) ، اعادة بناء البنى الارتكازية ودعم القطاع الخاص إضافة الى استعادة الامن الوطني وتم وضع اطار مالي متوسط الامد، وقدرت حاجات اعادة الاعمار ب187 مليار دولار لإعادة البنى الارتكازية. وقدرت نسبة التمويل الخارجي 58% اي 129 مليار دولار) على ان يتم تمويل المتبقي من الموارد المحلية والتي قدرت ب78 مليار دولار. على ان يتم نمو الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 20% خلال الاربع سنوات2006 -2010 .
وبالرغم من وجود اطار استراتيجي للأولويات المطلوبة لإعادة الاعمار للفترة من 2004 -2010 ، الا تلك الاطر الاستراتيجية لم تترجم الى برامج قابلة للتنفيذ ضمن اطار اضيق من الاولويات يضع بناء مؤسسات الدولة هدف اساسي لتكون قادرة على الاضطلاع بمهامها التنموية، ولتوفر قاعدة برامجية يمكن للدول والمؤسسات المانحة الاهتداء بها عند صياغة برامجهم واستراتيجياتهم لدعم العراق.
تم تأسيس الهيئة الاستراتيجية لإعادة الاعمار في العراق لتكون جهة وطنية مسؤولة لبناء علاقة شراكة مع المجتمع الدولي بما فيها المنظمات الدولية والهيئات المانحة التي تقدم المنح والقروض والمساعدات المالية والفنية لدعم جهود الاعمار والتنمية في العراق. وان تتولى صياغة التوجهات الاستراتيجية للمساعدات المقدمة قبل القنوات الثنائية والمتعددة الاطراف. كما تضع اولويات الاعمار بطريقة شفافة تضمن التوزيع العادل للمساعدات على مناطق العراق كافة دون تمييز طائفي او عرقي وتأمين اتساقها مع الأولويات الوطنية لاعادة الاعمار مع الاخذ بنظر الاعتبار الاستغلال الامثل للموارد المالية ومراقبة تنفيذها ومراعاة تكاملها مع الموازنة العامة للدولة.
وبالرغم من المهام الاستراتيجية المنوطة بالهيئة، الا ان وظيفتها اقتصرت على مراجعة البرامج والمشاريع التي تقترحها الجهات المانحة بالتنسيق مع الجهات المستفيدة ولذلك افتقدت عملية اعادة الاعمار الى رؤية وطنية شاملة تحدد من خلالها اولويات كل مرحلة إضافة الى غياب مركزية القرار السياسي فيما يخص اولويات الاعمار والتنمية. وكذلك فان وجود جهات متعددة تتولى الاتصال مع الشركاء الدوليين دون وجود اجماع وطني على ماهو المطلوب من المجتمع الدولي، وكذلك عدم ارتباط الموضوع مع آليات وضع القرارات الاقتصادية أدى الى هيمنة سلطة المانح على الارادة الوطنية.
ونظرًا لطبيعة البيئة السياسية بعد 2003 وما افرزته من تعددية في مراكز اتخاذ القرار لذا بات من الصعب ان تضطلع وزارة لوحدها بهذه المهمة الصعبة في رسم رؤية وطنية لاعادة البناء والاعمار وما تتطلب هذه المهمة من التركيز على الاهداف الوطنية الاستراتيجية ونبذ المصالح السياسية الضيقة. هذا إضافة الى صعوبة الموائمة بين تطلعات الهيئات المحلية في المحافظات وبرامج الحكومة الفدرالية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة