الأخبار العاجلة

أخطاء قاتلة .. وقع بها منتقدو عقود جولات التراخيص

القسم الثالث
حمزة الجواهري
إعادة التطوير أكثر صعوبة وتحديات من التطوير الاعتيادي:
تساءل كاتب المقال عن سبب إعطاء الحقول الكبيرة والعملاقة والتي تم تطويرها منذ زمن بعيد للشركات الأجنبية؟ وهذا التساؤل يكاد أن يكون مشتركا بين الجميع دون علم منهم بأهميته.
مرة أخرى أقول أنه تساؤل مشروع لشخص غير متخصص بالصناعة الاستخراجية من الناحية الفنية، ذلك لأنه لا يستطيع فهم السبب الحقيقي من وراء ذلك، السبب هو أن الحقل القديم وخصوصا حقولنا التي أنتجت منذ أواسط القرن الماضي، على وفق سياسة إنتاج جائرة بحق المكامن النفطية كما بدأتها الشركات الاحتكارية، لأن هذه الشركات لم تكن تهتم بما يسمى بمعامل الاستخلاص للمكمن، وهذا المعامل يعني نسبة النفط المستخرج من المكمن من النفط الكلي الموجود فيه، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، إن حقل كركوك أنتجته الشركات وتبين فيما بعد أن نسبة الاستخلاص كانت لا تتجاوز ال9%، أي ما يترك في الأرض من نفط هو91%، وهذه نسبة جائرة جدا وغير معقولة، وفي أفضل الأحوال كانت المكامن يتم إنتاجها بنسب متواضعة لا تزيد على25% في أحسن الأحوال، في حين أن العالم ينتج حقوله بنسب استخلاص عالية نسبيا قد تصل إلى60%، أي مازال في حقولنا كميات نفط كبيرة قد تجاوزتها المياه، لكن وباستعمال التكنولوجيا الحديثة، يمكن استخلاصها ورفع نسبة الاستخلاص، وهي أيضاً تحتاج إلى إدارة مكمنية متطورة غير التي عرفها المهندس العراقي، وحتى لو كان قد عرفها فإنه لم يضعها تحت التطبيق إلا في نطاق محدود.
هذه الحقول القديمة كانت قد استحقت إعادة تطوير منذ عقود من الزمن لكنها لم تحظ بذلك لكون الحكومات التي تعاقبت على العراق لم تعط لهذا الموضوع أهمية ولم تأبه للأمر كون هذه المكامن أكبر من عملاقة وبقيت مستمرة بالإنتاج دون توقف، ولكن، في الواقع، تناقص الإنتاج منها بنحو كبير، فحقل كركوك مثلا، تناقص الإنتاج فيه من مليون برميل يوميا من قبة بابا ليصل إلى200 ألف برميل يومياً في الوقت الحالي، وحقل الزبير تناقص الإنتاج فيه أيضاً، والرميلة تناقص الإنتاج فيه إلى مستويات مروعة من دون أن تحظى هذه الحقول بأية عناية أو برنامج حقيقي لإعادة التطوير.
فالحقول النفطية، في العادة، يعاد تطويرها عدة مرات خلال عمرها ما عدا الحقول العراقية التي بقيت من دون برنامج لإعادة التطوير يعتد به.
الشركات العالمية على سبيل المثال تعهدت برفع مستوى الإنتاج من حقل الرميلة بقسميه الشمالي والجنوبي إلى مليونين و850 ألف برميل يوميا بعد أن تدنى إنتاجه ليصل إلى مليون برميل يومياً، وهكذا بقية الحقول. حيث أن برامج التطوير هذه بحاجة إلى تكنولوجيا متطورة وبرامج لإدارة المكامن متطورة ومعقدة وملاكات متدربة ومؤهلة للقيام بهذه المهمة العسيرة في بعض الأحيان. من هنا جاءت أهمية منح تراخيص لإعادة التطوير في الجولة الأولى، حيث تخصصت هذه الجولة بالحقول من هذا النوع فقط.
كان على الكاتب أن يسأل المختصين عن حقيقة إعادة التطوير وحجم التحديات التي ترافقه ومقارنتها بعمليات تطوير الحقول الخضر قبل أن يتهم العقود أو سياسة الوزارة بمنح هكذا عقود.
الفرق بين العقود الخدمية طويلة الأمد وعقود الخدمة الأخرى:
يبدو أن كاتب المقال لحد الآن لم يستطع التمييز بين نوعي العقود من حيث المضمون، فقد قارن الانموذجين من حيث الهيكلية وليس من حيث المضمون، لأن مدة العقد ليست هي القضية الحاسمة. وأن العقود من حيث الأساس تهدف إلى إدارة مثلى لتنفيذ عمليات التطوير، وليس القيام بعمليات التطوير وحسب، كما وأن الشركات لا تقوم بنفسها بعمليات التطوير، بل ما تقوم به هو تحديد المهمات الواجب القيام بها لعمليات التطوير، كأن تمنح عقوداً لحفر مجموعات من الآبار، أو تمنح عقداً لبناء محطة لعزل الغاز أو عقودا لمد أنابيب رئيسة أو ثانوية وما إلى ذلك من مفردات عمليات التطوير والواسعة، والأهم من هذا وذاك تلك العقود التي تتعلق بالدراسات المكمنية وإدارة المكامن، حيث أن الشركات التي تنفذ هذه العقود تعتبر شركات خدمية وعقودها تنتهي باكتمال المهمة، ويكون العامل الزمني مرتبطاً ببرنامج التنفيذ لأي مشروع من هذه المشاريع.
مما تقدم نفهم أن الشركات صاحبة التراخيص لا تقوم بنفسها بأعمال التطوير، وإنما تقوم بإدارة عمليات التطوير، ومن ثم الإنتاج، وتمويل هذه العمليات نيابة عن العراق، وسرعان ما يسدد العراق كلف هذه المشاريع خلال فترة ثلاثة اشهر فقط، أي على أساس ربع سنوي، فالعمليات التطويرية قد تحتاج من7 إلى10 سنوات، في حين أن أي مشروع ضمن عمليات التطوير تقوم به الشركات الخدمية قد يحتاج من بضعة أشهر إلى ثلاث سنوات، وربما أربع سنوات.
من هنا يتبين الفرق بين عقود الخدمة طويلة الأمد، كعقود جولات التراخيص، وعقود الخدمة المحدودة وقصيرة الأمد، كمشروع مد أنبوب أو ما إلى ذلك من مشاريع محدودة، فهذا النمط من العقود يكون ملائما للمنظومات الكبرى كالموانئ الكبيرة أو المجمعات البتروكيماوية أو المصافي العملاقة، وغيرها كثير، لأن معظم هذه المنظومات تكون صعبة التشغيل على ملاكات غير مدربة جيدا عليها، لذا يترك تشغيلها لشركات كبيرة مختصة بتلك الصناعات، فهي تكون مسؤولة عن عمليات التطوير ومن ثم التشغيل لأمد كاف من الزمن بحيث تتمكن الملاكات المحلية من القيام بجميع المهمات التشغيلية بكفاءة عالية.
في عقود التراخيص النفطية تكون المهمات التي تقوم بها الشركات التي تحمل التراخيص كثيرة جدا ومعقدة، وتوضع لها أولويات وشروط عقدية متطورة لا يمكن التعاطي معها من دون وجود المتخصص بهذه الصناعة، كأن تقدم الشركة وفق برنامج التطوير أنها بحاجة إلى دراسة مكمنية لعدة سيناريوهات مختارة لتطوير مكمن ما، لكي تختار الأفضل منها لأسلوب الإنتاج الفعلي وكذلك الإنتاج المستهدف خلال السنوات المقبلة لغاية الوصول لسقف الإنتاج النهائي، وأخيرا معامل الاستخلاص الأمثل لذلك المكمن النفطي، حيث تقدم نتائج هذه الدراسة للمالك، أي الجانب العراقي، وهو الذي يقرر اختيار الأسلوب الأمثل وفقا للعقد.
ولنأخذ هذه الفعالية أو المشروع كمثال، فإن الشركة العالمية تقوم بطرح تندر لبيوت الخبرة في مجال هندسة المكامن لإجراء الدراسة المكمنية المطلوبة، وتدير عملية اختيار المتنافسين، واستقبال العروض، واحالة العقد الى الشركة الفائزة، ومن ثم استلام نتائج الدراسة المكمنية وتقييمها من النواحي الفنية والمالية والHSE لأختيار الأفضل من بين المتنافسين، وأخيرا تزود الشركة الاستشارية بالمعلومات الكافية وتجري متابعة لعمله حتى النهاية، ويتم صرف أجر الشركة الاستشارية، بيت الخبرة، على وفق العقد المبرم.
ما تقدم يعد خدمة بحد ذاتها، وهي بحاجة إلى خدمات أخرى ضرورية لتكامل المعلومات التي تقدم للاستشاري، كالقيام بالمسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، على سبيل المثال وليس الحصر، ومن ثم يعاد المسح نفسه بعد فترة زمنية ليكون رباعي الأبعاد، هذه الدراسة أو المسح يجب أن يتم وفق عقد مع الشركات الجيوفيزيائية خدمية. هذه احدى أهم الخدمات التي تقوم الشركة حاملة الترخيص بإدارتها، وهناك خدمات تطويرية أخرى كثيرة كما هو معلوم، حيث يجب إقامة منشآة عملاقة لعزل الغاز، وأخرى لعزل الماء وتحلية النفط، وغيرها لمحطات الضخ، ومحطات كبس الغاز، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ومد الأنابيب، وحفر الآبار للأغراض المختلفة، كلها خدمات نفطية تقوم الشركة حاملة الترخيص بإدارتها فنيا واقتصاديا وماليا ودفع نفقاتها نيابة عن المالك على أن تستقطعه خلال الربع التالي من الفترة التي تم الصرف خلالها، أي أنها تقوم بالصرف وتستعيد الأموال التي صرفتها بعد ثلاثة أشهر فقط، وهذه خدمة غير معتادة في العقود وسببها هو الوضع المالي المتدني للعراق والتصنيف الإئتماني للعراق عالميا، حيث وقتها لم يكن العراق مصنف إئتمانياً من قبل البنوك العالمية.
إن هذه الخدمات تقريباً تنتهي أو تتضاءل إلى حد بعيد بعد الإنتهاء من عمليات التطوير الرئيسة خلال فترة قد تصل الى سبعة سنوات أو حتى عشر سنوات، ومن ثم تبدأ عمليات التشغيل الفعلي والتي يجب أن يقوم بها خبراء مختصون إلى جانب عراقيين يستفيدون من خبراتهم الواسعة، وهذه الفترة قد تحتاج إلى وقت طويل قد يصل لعشر سنوات أخرى.
فالعقد هنا ليس استثماراً لأموال الشركة والمجازفة بها كما هو الحال في عقود المشاركة، وما تقوم الشركات المستثمرة هو خدمات إدارة لتطوير الحقول والإنتهاء منها، ومن ثم إدارة عملياً الإنتاج لفترة أخرى، أي أن العقد يتضمن فترتين من حيث الأساس، الأولى القيام بعمليات التطوير وإدارة الإنتاج خلال عمليات التطوير الأساس، والفترة الثانية هو إدارة عمليات الإنتاج والقيام بعمليات تطوير ثانوية خلال فترة العقد، فالفترة الأولى لا تتعدى العشر سنوات والثانية أيضا يمكن أن تطول لعشر سنوات أو أكثر قليلا. لذا فهي عقود خدمة وليست عقود مشاركة بالإنتاج بالرغم من طول فترة العقد للأسباب الموضوعية آنفة الذكر، ولا يصح مقارنتها من حيث هيكلية الانموذج العقدي كما فعل كاتب المقال الذي نحن بصدد نقده من الناحية الموضوعية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة