الأخبار العاجلة

عن سليم جواد

معتز رشدي
عن دار أزمنة الاردنية، صدرت للروائي العراقي المغترب، والمقيم في اميركا”سليم جواد”، روايته الثانية”عصر الخرا…تيت” في 280 صفحة من القطع المتوسط،. لسليم لغة لا يشاركه في فرادتها سوى قلة من كبار كتابنا، وذلك منذ إصداره الأول، والضخم( الأشباح والوهق). وهي لغة حسية، بالغة التوتر، شديدة الشبه بطبائع أبطالها، وبطبيعة ما يُحاك لهم، في خفايا البلد المبتلى، من مصائر، عمل الروائي، وبدهاء لا يليق إلا بكاتب، مثله، على بث إشارات، خفية، غير محسوسة، إلا من قبل قراء حقيقيين، حول طبيعة، أو مادة، الخيوط التي نُسجت منها تلك المصائر. أجمل ما يسترعي انتباهنا في لغة سليم، هو بكورة المفردات، الشعبية منها، والفصحى، فهو واحد من قلة ينفخون حياة جديدة حتى في المهمل منها، والمبعد. وهو-أيضاً- من قلة ترفض، وبكل ما اوتيت من دهاء، وموهبة، كتابة الحوار بين ابطاله باللغة الفصحى، أو بلغة ثالثة بينهما، مما يوفر لاجواء الرواية اصالتها المحلية، وهي، هنا، العراقية بالتحديد.
أولاً: البناء
سليم مخلص لنهج في الرواية، لا يحيد عنه، لحمته وسداه الابتكار الدائم، ابتكار حيل روائية قطع سليم شوطاً كبيراً، خاصاً، به، ولا يُشبهه، فيه، أحداً، سواه؛ إذ ليس الشكل، الحداثي في الكتابة، حكراً على اسم بعينه، أو على بلاد بعينها، بل ،هو، إن شئت، أقرب ما يكون إلى نبتة تستلهم خصائصها المائزة من طبيعة التربة التي بُذرت فيها. والشكل في “عصر الخراتيت” مبتكر، على غير ما عودناه عليه روائيو الحداثة، والذين قد يبدأ أحدهم عمله من خاتمة-ما في حدث-ما مفصلي من احداث الرواية، بيد ان سليم لجأ إلى طريقة القطع؛ اي انه يقطع الحدث في نقطة بعينها، عامداً بذلك إلى ايقاظ قارئه من انغماسه في اجواء الحكاية، ليفتتح بعدها سرد ما هو عازم على الافضاء به إلينا من حدث آخر في مكان وزمان آخرين، وكل ذلك يحدث بطريقة طباعية سلسة، هي كتابة الجملة الاولى منه بحبر ثخين، وبحجم أكبر من من سواها.

ثانياً: الزمن
لثمانينيات قرننا المنصرم، حيث سنوات الحرب العراقية- الايرانية، الحصة الأكبر من الزمن الروائي، بيد ان فرادة الشكل الذي ابتكره سليم في عمله، أتاح له حرية فريدة من نوعها، في الترحل بين أزمنة وأمكنة متباينة، ومتباعدة، عن بعضها البعض، من دون ان يؤثر ذلك على سير احداث الرواية، من حيث هي بناء عضوي، متصل، يوقف جريانه صاحبه في مواضع بعينها، يختارها، هو، لغاية فنية في نفسه، وخير مثال على ذلك، هو فصل(داعش)، والذي انتقل كاتب الرواية، فيه، من يوم ثمانيني، إلى مقهى من مقاهي بعقوبة، في يوم- ما، من ايام احتلال داعش للمدينة!، في هذا الفصل -الذي يقف على حافة حرجة، بل وشديدة الحراجة، بين الأدب الخالص، والرفيع، وبين التهريج السافر- مازج سليم بين لغة تراثية نقية، وبين مفردات الحياة الحديثة في مقهى متداعية، ولكنها توفر لزبائنها خدمة(الانترنت!)، وصف لنا الدواعش باعتبارهم مخلوقات، وليسوا بشراً بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، مخلوقات يمكننا التحدث عنها حديثنا عن الضباع والغربان وسائر ابتكارات الطبيعة الطريفة، منها، والمفترسة.

خاتمة:
انها عجالة عن عمل روائي كبير، وخطير، بكل ما للكلمة من معنى، عجالة اقصى مناها شد انتباه القاريء إلى منجز عراقي لم تشهد له الرواية العراقية مثيلاً، ربما منذ صدور رائعة الراحل فؤاد التكرلي” الرجع البعيد”. لي، إليها، عودة نقدية مطولة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة