الأخبار العاجلة

دغل الاحتجاجات

مع الطور الجديد الذي ولجت اليه موجة “الاحتجاجات” بانخراط غالبية المنتسبين لنادي السلطة الاولى في البلد (البرلمان) اليها، نكون قد وضعنا بصمتنا المميزة لمسيرة تطور وتكامل الوظائف الحيوية للمجتمعات والدول. حماسة لا مثيل تسللت لحناجر وقبضات المعتصمين بين ردهات مجلس النواب العراقي، تعاطفاً مع حراك واحتجاجات “الشارع العراقي”، هكذا صرح عدد من النواب المعتصمين، والذين حظيت خطوتهم هذه بعدد من التظاهرات التضامنية معهم في عدد من المحافظات العراقية.
لقد اشرنا في غير القليل من الاعمدة التي تناولت تطور المشهد السياسي الراهن، الى خطورة النشاطات غير الواضحة في ملامحها وهويتها وغاياتها الفعلية، وعلى رأس ذلك حركة الاحتجاجات، التي بدأت في 25 شباط من العام 2011 تقليداً لما افرزته حقبة (ربيع العرب) من نشاطات وحراك شعبي. ليس هناك ادنى شك من حاجتنا الملحة لاصلاح العملية السياسية الجارية في البلد منذ أكثر من 13 عاماً، لكن الحاجة لمثل هذا التغيير شيء والقدرة على تحويله الى واقع شيء آخر. وعند التصفح قليلاً بنوع القوى والشخصيات التي تنطعت لمثل هذه المهمة المصيرية، ونوع المشاريع الظلامية أو الفنطازية التي تجترها، والامكانات الواقعية التي تستند لها، ندرك نوع المتاهة والسيناريوهات التي تنتظرنا مع مثل هذه الهرولات والتي انتهت بتسليم الراية مجدداً لممثليهم الحقيقيين..!
هناك عجز واضح عن اجراء اصلاحات جدية، لسبب بسيط لا يحتاج الى كل هذا الصخب والضجيج، والى كل هذه الفزعات الخائبة، ويتعلق بمعنى الاصلاح المطلوب ومدى استعدادنا الواقعي كجماعات وافراد على التعاطي معه. ومثل هذا الخلل لا يمكن التعامل معه باضافة سرعات اخرى لجولات الهروب للأمام، فالاصلاح المطلوب يحتاج الى جهود حثيثة لم تظهر بعد لما يعرف بالنخب الثقافية والعلمية، يدون فيه معنى الاصلاح وغاياته، كما يحتاج الى رأي عام لم يظهر بعد، والى حشود شعبية متخففة من لعنة (اذا قال فلان .. قال العراق) ومثل هذه الشروط لا تنضج طبقاً لمشيئة ورغبة فرسان الاصلاح المزعوم. خلف كل هذا العجاج لا يمكن انتظار غير المزيد من الخيبات المجربة، فالقوم هم انفسهم افرادا واحزاباً وكتل (لم يغيروا ما بأنفسهم) ولم يبدوا أي استعداد لمثل ذلك التغيير، وهم جميعاً بما يتمتعون به من مواهب وقدرات، لا يجيدون غير تقنية اعاقة بعضهم البعض الآخر، وهذا يدعونا الى التحلي بالمزيد من الصبر، لمشاهدة فصولا اضافية من لعبة الزحزحات وتصفية الحسابات.
ان دغل الاحتجاجات هذا، يحجب عنا، أو يقلل من فرصة انبثاق نشاطات واقعية تنتشلنا من هذا الواقع الغرائبي الذي انحدرنا اليه في العقود الخمسة الاخيرة. وهي في نهاية المطاف ستلقي بحمولتها الجديدة لكثبان محصولاتنا المحلية من اليأس والاحباط وما نشتهر به من مقذوفات التذمر والشكوى. ما يحصل من “حراك” هو اقرب الى اعراض تشير الى حجم التفسخ الحاصل، ولا يمت بصلة لحيوية المجتمعات والدول، ولا لتجارب الاصلاح والتحولات الايجابية الذي دونها التاريخ الحديث. فالجميع (معتصمين ومتفرجين) ومن مختلف الرطانات والبيارغ والأزياء، متخففون من كل ما يمت للاصلاح الفعلي بصلة، وهذا ما نضح عنهم قبل “التغيير” وبعده، من سلوك وتوجهات وشراهة وسيرة، لن تمحوها مثل هذه الاحتجاجات تحت نصب الحرية أو الخيم أو قبة البرلمان..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة