أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
سلالة الطين.. سيرة مأساة
القسم الأول
الدكتور شاكر عبد العزيز عبد الله المخزومي
هذا عنوان كتاب الاستاذ الحقوقي، القاضي الدبلوماسي وخبير التأمين الشاعر الأديب عطا عبد الوهاب الصادر عام 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والذي تتجاوز صفحاته الـ 600صفحة.
‏ ومن عنوان الكتاب يمكن للمرء الاستدلال عن مدى الشعور بالمرارة ومعاناة ‏المؤلف – خلال فترة مظلمة في حياته – من تعسف وظلم واضطهاد ودونما ذنب على ‏يد نظيره الإنسان القاسي المتجبر الذي تنسيه السلطة وضاعة أصله وتكوينه من طين حقير .
‏ والكتاب ليس سيرة ذاتية تقليدية على نمط ما درج رجال السياسة والإعلام ‏البارزين من تدوين ذكرياتهم من خلالها عن الأحداث التي عايشوها وأثرو او تأثروا بها بنحو أو بآخر، بل هو سفر أدبي من طراز خاص كتب بأسلوب راق مزج فيه بتناسق عجيب بين المفردات البسيطة الممعنة في شعبيتها ولغة الأدب الرصينة بأحاسيس, فكأنك وأنت تقرأه تستمع الى حديث مسموع من صديق عراقي أصيل فتعيش مع الأحداث وتتفاعل معها ضاحكاً, باكياً, حزيناً فرحاً حسب مجريات الوقائح .
‏وليس من قبيل المبالغة القول أنه مجموعة كتب في كتاب واحد ففيه عناصر ومميزات الرواية الادبية التي ترسم الشخصيات وتحدد ملامحها بدقة احترافية وجمال المسرحية بوقعها ورنينها المحبب على أذن القارئ . كما أن في الكتاب وصف شاعري مرهف للطبيعة بثوابتها ومتغيراتها وتعليقات فلسفية ذات مداولات عميقة للأشياء والحوادث والسلوك البشري. وهو تسجيل تاريخي أمين للأحداث التي مر بها المؤلف بحلوها ومرها، وفيه تقييم منصف لشخصيات ظلمها التاريخ والصقت بها صفات قبيحة هي منها براء . كل هذه الموضوعات المتباينة ربطت بحبكة فنية فريدة لا يجيدها إلا الموهوبين المتميزين في الكتابة، فكان الكتاب كما يحكي المؤلف لأولاده نسجًا فنيًا يتحرك خلالها الكاتب كمكوك الحائك مجيء وذهاباً حسب تداعي الذكريات من دون أن يفقد الموضوع وحدته أو تسلسله المنطقي .
‏ولكي اعفي نفسي من مهمة المقارنة مع سير وذكريات أخوين وأتوقف عن الاسترسال بالاطراء الذي قد يتحول إلى ابتذال فالشمس لا يزيدها امتداح ضوئها شيئاً والعسل لا يرفع قيمته امتداح حلاوته لذلك سألتجئ مكتفياً الى قول المتنبي:
ألم تر ان السيف يفقد قدره
إذا قيل أن السيف خيرّ من العصا
‏نبعت فكرة الكتاب كما يقول المؤلف في أثناء إحدى زيارات زوجته “أم لهب” وأولاده “لهب وسينا” له وهو في سجن أبو غريب في زنزانة الاعدام عام 1973، حيث لاحظ شيئاً من الكآبة تعتري ولديه وعندما استفسر عن السبب أعلمته السيدة أم لهب أن الولدين كانا ينويان المشاركة في سفرة مدرسية إلى لبنان غير أنهما فوجئا بمنعهما من السفر على أساس حالة أبيهم الخاصة. وكان شعور الوالد بالأسى قد دفعة إلى التفكير بتسليتهما بنحو من الأشكال . . . فهداه التفكير إلى كتابة رسالة لهما تتضمن ذكرياته عن مفرداته منذ الطفولة . . . وابتدأ بذلك فعلاً واستمر بالكتابة أسبوعاً بعد أسبوع . . واكتشف وهو يكتب في زنزانته الانفرادية أن نبش زوايا الذاكرة ونقش محتوياتها على الورق كانت مبعث تسلية له شخصياً وتعويض عن وحشة الانفراد في ذلك الوضع اليائس . . . فملأت رسالته اربعة دفاتر بلغت صفحاتها (350 ‏) صفحة هي القسم الأول من الكتاب.
‏والقسم الثاني يتضمن ذكرياته عن عملة في البلاط الملكي سكرتيرًا للملك فيصل الثاني والأمير عبدالإله . . . وكذلك عن عملة في التأمين بعد فصله من الوظيفة أثر انقلاب 14 تموز 1958. وكان هذا القسم بمنزلة دفاع غير مباشر عن نفسه وعن أخيه المظلوم زكي عبدالوهاب إزاء اتهامهما الزائف بالجاسوسية للإنكليز من خلال علاقته بالأمير عبدالإله والجاسوسية للأميركان من خلال لطفي العسري الذي عمل معه في إدارة بعض شركاته .
‏أما القسم الثالث فقد انطوى على مأساته بما فيها من اعدام أخيه زكي ومطاردته واختطافه شخصياً ومن ثم خضوعه لابشع أنوع التهذيب البدني والنفسي في قصر النهاية المشؤوم ثم الحكم عليه بالاعدام وبقائه خمس سنوات في زنزانة الاعدام
‏الانفرادية بانتظار التنفيذ خاضعاً للرعب اليومي الذي يتكرر كل صباح عندما يأتي السجانون لفتح الزنازين واصطحاب من وصل إليهم الدور وثماني سنوات اضافية بعد تخفيف الحكم عليه إلى السجن المؤبد ولحين صدور قرار العفو عنه عام 1983 ‏.
‏إن محاولة تلخيص الكتاب بما يفيه حقه فعلاً تقتضي استنساخه صفحة صفحة وسطراً سطراً لافتقاره إلى الحشو الذي لا يمكن الاستغناء عنه لذلك فإن ما نورده هنا لا يعدو كونه لقطات مختارة لا يعدو بضعة نصوص في عقد لؤلؤي متعدد اللفات أو شدة ورود من بستان زآخر بأنوع الزهور .
‏القسم الأول… الأسفار
‏كما اسلفنا احتوى هذا الجزء اسفار المؤلف منذ الطفولة عندما كان بعمر السبع أو الثمان سنوات، ومما يثير الاعجاب ما يتذكره المؤلف من تفاصيل للرحلة الأولى وما تلاها من رحلات وهو بهذا العمر الغض وبعد مرور عقود على مجرياتها فيصف الطريق والأماكن التي مربها والبيوت التي سكنها مقيماً أو زائراً ويرسم صورة ناطقة للشخوص الذين رافقهم بأسلوبه السهل الممتنع الذي يشد القارئ ويجبره على التفاعل مع مجريات الأحداث وكأنه معايش لها ومشارك فيها ولو من بعيد. فهو يصف البيت البغدادي فيذكرنا بمصطلحات ذلك الزمن بنكهتها المحببة كالطرار والسرداب والبقجة والتيغة وناكوط الحب ومتاع المسافر كما يعيدنا إلى سحر نومة السطح والاستعدادات والطقوس التي تبقها عند الغروب . . . وعندما تسمعه أمه يعد النجوم تزجره قائلة :

– ولك لتعد النجوم مو زين
– ليش مو زين
– مو زين يطلع بيدك فالول
‏كذلك عندما ينغمس في مراقبة خفاش الليل يأتيه التحذير .
‏- ليكون تلزم وحده تره يلزك بوجهك وما ينشلع إلا بمراية ذهب . وبرغم من تكرار التهديدات التقليدية للأمهات وسمفونياتهن المتشابهة ازاء وكاحات الأطفال مثل:
‏- ولك مضروب الجلوه زين . . زين هسه يجي أبوك .
‏فإن عاطفتهن الحقيقية تتجلى عندما يمس أولادهن أدنى أذى، فيذكر المؤلف اصرار والدته على النوم على الحصير عندما زج ابنها الكبير جميل في السجن على أثر حركة سياسية فاشلة:
– ما دام جميل بالسجن ما نام على قريولته لا والخلقه.
– وعندما اخبرها عطا بإن اخاه الآخر زكي محجوز لمدة يومين في كلية الاحتياط تندب حظها العاثر.
– وين اولي.. وين أروح؟
– وتتداعى هذه المواقف في ذاكرة عطا وهو في قصر النهاية تحت طائلة أبشع أنواع التعذيب والاهانة وسماعة نبأ اعدام اخيه زكي ظلماً وعدواناً فيناجي الوالده:
– اكعدي شوفي شصار.
– ولا ينس المؤلف مواقف أبيه وارتباطه العاطفي باولاده فيتذكر دموعه وهو يودع ابنه الكبير جميل الذي قرر ترك بيت العائلة ليسكن بيتاً مستقلاً بعد زواجه، ووصيته إلى اخوته “اعمام عطا”.
– اذكروني عندما يصبح جميل وزيراً.
وعندما تحقق حلم الوالد وصار جميل وزيراً لم يتذكر الوصية غير عطا الذي ذهب باكياً الى قبر أبيه يزف إليه الخبر.
ويتطرق إلى اهتمام الوالد الخاص به ولهفته لرؤيته عادئاً من اداء الامتحانات بسؤاله المكرر.
شلون جواباتك بابا اليوم.
لذلك فعندما تسلم نتيجة تخرجه بتفوق من كلية الحقوق وكان والده قد انتقل الى جوار ربه قبل ذلك التاريخ لم يرد داعياً لاخبار أحد مما أثار زعل جميل الذي علم بالنتيجة في اليوم التالي.
أما كرم الاب وسخائه المفرط فيتخلى بموقفه عندما سمع شحاذاً في الشارع في احد أيام الشتاء الباردة وهو ينادي:
– فقير.. فقير المال مال الله والسخي حبيب الله.
– فقام لتوه بنزع دشداشته والقائها من الشباك للفقير…
ويتذكر عتاب الام.
– أبو جميل ما عندك غيرها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة