سبي النساء في العهد الإسلامي

الجزء الثالث والأخير
بدور زكي محمد
الحديث عن السبايا في تاريخ المسلمين، يجرنا إلى حقل واسع من بحوث الفقهاء القدامى والجدد، الذي لامس نقطة غاية في الحساسية تتعلق بتكييف العلاقة بين الإنسانية والأديان بعامة، ويدعونا للتساؤل عن تعاليم الدين بشأن تنظيم المجتمع.
والسؤال الأساسي في موضوعنا ينصب على موقف الإسلام من الإماء (المستعبدات) بنحو عام، ضمنهنّ سبايا الحروب، وكنت قد ذكرت في نهاية الجزء الثاني من مقالي، بأن الدعوة إلى نبذ الأحاديث التي تدعو إلى القتل والسبي، لا تتعارض مع ما ورد في القرآن من آيات تنظم العلاقة بين المستعبدات ومالكيهنّ، ذلك أنها لم تكن تشرّع للسبي، وإنما جاءت لتعالج واقعاً مزرياً شمل أعداداً كبيرةً من النساء المملوكات المستباحات لأسيادهن ولغيرهم من المشاركين في دائرة المتاجرة بالرقيق. إن فقهاء السبي والجواري يحاججون دائماً بالآيات التي أشارت إلى (ملك اليمين) والمقصود من استعمال هذا المصطلح، على كثرة التعريفات والإختلافات بشأنه، هنّ النساء المملوكات، سواء ملَكهن رجال عن طريق وراثة أو شراء أو غزو، لكن التمعن في نصوص الآية 25 من سورة النساء التي تطرقت إلى ملك اليمين، لا تقدم لهم حجّة مقنعة، لأنها جاءت في سياق الحديث عن الزواج، وهي تنصّ على:
{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، والمعنى المراد منها، إن الرجل إذا لم يتمكن من الزواج من امرأة حرّة، لأي سبب من الأسباب، فله أن يتزوج مملوكة بإذن مالكها، الذي يُعتبر بمثابة أهلها. وهذا يعني أن من حقها المهر، لأن الآية ذكرت الأجر أي المهر، لكن المالك هو الذي يستلمه عادة كتعويض عن نقص خدماتها، أو انتفائها، إلا في حالة أن يكون المهر هو تحريرها، وبهذا يكون مالكها الأصلي قد استوفى ثمنها ولا سلطة له عليها، وبذلك تتخلص المرأة المحررة من الإستباحة أي البيع والشراء، من شخص لآخر. لقد أكدت الآية على ما يتطلبه زواج المستعبدة من الإحصان، أي العفّة، بأن لا تصاحب رجلاً أخر غير زوجها (ولا متخذات أخدان، أي خلاّن في السر). ولو حصل أن ارتكبت الأمة المتزوجة فاحشة ، فيكون عقابها نصف ما على الحرة من عقوبة الزنا، ذلك أخذاً بالاعتبار ماضي عبوديتها. إن ما تقدم عبّر عن صعوبة تغيير الواقع العبودي، ولا يعد حالة مثالية، ذلك لأن العبودية ظلم وعدوان، في أي زمان كانت، حتى وإن خفف منها الزواج، فلا نستطيع أن نفترض إنه جرى برضا المستعبدة، فالمهم عند مالكها قيمة مهرها وإذا ما طلقها زوجها، ربما يزوجها لآخر، وهكذا بوصفها مصدراً للرزق.
نفهم مما تقدم إن العلاقة بين المالك والمملوكة لا يجوز أن تتخذ شكلاً غير الزواج، قياساً على هذه الآية، وبالتالي فإن من يشرّعون لاغتصاب السبايا استناداً لما ورد بشأن ملك اليمين، إنما يحتالون على النصوص برغباتهم، ويهملون دعوات القرآن لتحرير العبيد، مادام لم تأتِ بصيغة الإلزام، وقد يحاججون بأن الآية خصّت المملوكات المؤمنات من الكتابيات، وليس الكافرات، وجوابي أن هذا الصنف من السبايا لم يبق له وجود منذ زمن الفتوحات، فالكافرات على قول أغلب الفقهاء- كما أشرت سابقاً- أما قُتلن أو أجبرن على اعتناق الإسلام.
ومن الأمثلة على تجميل جريمة انتهاك كرامة المرأة السبيّة، ما قاله الشيخ متولي شعراوي الذي تغزّل بالماضي وأثنى على الفاتحين وممارساتهم، فيقول: « الإستمتاع بالرقيقة هو باب جديد من أبواب تصفية الرِق، لأنها لو تزوجت عبداً يكون أولادها عبيد، لكن إذا استمتع بها سيدها فستلد حراً وتصبح أم ولد». ويضيف: «والأسرى يستفيدون من الأسر بأن يتقربوا إلى الإسلام». هنا لا يتحرج الشيخ من مفردة الإستمتاع كما لو كانت في سياق شرح لمكرمة أخلاقية. وبعض المشايخ قالوا أن «فضيلة» معاشرة السبّية أنها تصبح حرة بعد موت سيدها!!، وآخرين برروا اغتصاب السبايا بوصفه مقابلة بالمثل لما يفعله الكفّار- على حدّ قولهم – بالأسيرات المسلمات، وهذا قول عجيب، فالمسلمون هم من كانوا يغزون لتوسيع دولتهم ومدّها بخيرات البلدان الغنيّة. ولا تفوتني الإشارة هنا إلى أن بعض الباحثين يؤكدون على أن حروب المسلمين الأوائل، في عهد النبوة، كانت دفاعية، وإن أخبار الغزو واستباحة النساء، التي وردت في كتب السيرة القديمة إنما هي مدسوسة، ولم تُبذل دراسة كافية للتحقق من صحتها. وأنا أقدر هذا الرأي وعده مفيداً بقدر همّة أصحابه في نشره بين الناس وإقناعهم بموضوعيته وانسجامه مع كثير من آيات القرآن.
وعلى كل حال فإن الأقوال التي أوردتها للشعراوي وغيره، هي عيّنة فقط من ملايين الصفحات التي سودها فقهاء ودعاة على مر التاريخ، أهملوا القرآن وتمسكوا بأحاديث تناقضه، مع أنهم يردّدون حديثاً يُنسب للرسول (ص) يمنع فيه كتابة أحاديثه، وهم بنهجهم ذاك قدموا لداعش وغيرها مرجعية ممهورة بدماء مئات الألوف من الرجال، ووجع النساء المقهورات، وتفجعهنّ على ديارهنّ وأطفالهنّ. ويذكر في هذا الصدد أن أهم مصادر الحديث عاش كتّابها في القرن الثالث الهجري، كصحيحي البخاري ومسلم، وكان مبرر الكتابة كثرة الأحاديث الموضوعة، وفوضى التناقل الشفاهي، لكن البخاري نفسه غرق في تلك الفوضى واشتغل على ستين ألف حديث، ونقل لنا ما لا يعقل مثل حديث الذبابة، وللأسف فإن غالبية مراجع المسلمين تقدس كتابه وتعده المصدر الموثوق الثاني بعد القرآن. ولقد عجبت من دفاع الدكتور يوسف زيدان عن البخاري، وهو الباحث المحقق في كتب التراث، والمعروف بنهجه النقدي، بل إنه وصف من ينتقدون بعض الروايات الواردة في صحيحه، بأنهم جهلة، وحجته في ذلك أن مهمة البخاري كانت النقل فقط، ولا يُسأل عن مضمون الأحاديث. وحين وجهت له سؤالاً مفاده: هل كان البخاري غافلاً عن القرآن بحيث ينقل لنا أحاديثاً تناقضه، وتسيئ إلى النبي؟ لم يجبني، مع إنه أجابني بإسهاب على سؤال آخر يتعلق بمخطوط «صحيح البخاري» وأورد مايفيد الثناء عليه.
في نهاية مقالي عن السبي، أجد من المفيد إدراج النقاط التالية، مع اعتذاري للقارئات والقرّاء لطول الموضوع:
– لم يستطع الإسلام إلغاء الرِق، لكن القرآن حثّ المسلمين على تحرير «عبيدهم»، بينما اصرّ معظم الفقهاء القدماء والمعاصرين على إبقائه وعده إرثًا لازماً ومفيداً.
– لا مناص من رفض الروايات المسيئة للرسول (ص) المتعلقة بالغزو والسباء، لأن قبولها يتناقض مع الأمر القرآني بتحرير الأسرى أو مفاداتهم. كما أن قبولها يتناقض مع الآيات الكثيرة التي مجدّت العفّة، وحثت النساء على الحشمة، والرجال على تجنب النظر للنساء. ولا أدري كيف يتشدّد الفقهاء في زي النساء وبعضهم يأمر بتغطيتهن تماماً، وفي الوقت نفسه يقبلون، بل يحرّضون على اغتصاب السبايا وهو زنا واضح لا يحتاج إلى شهود. وكيف نضمن سلامة أخلاق الزوجة والبنات، إذا كان الأب يتسّرى (ينتقل من «جارية» لأخرى) .
– إن تقبل اغتصاب السبايا باسم مسمى «الجهاد» يبطل عقوبة الزنا.
– ما لم ينهض علماء وفقهاء ومؤسسات بحثية ودينية، للتصدي لأفكار « الجهاد» أي تمجيد الغزوات السابقة، والدعوة لإحياء مسالكها بوسائل الإرهاب، فإن البلدان الإسلامية نفسها سيعمها الخراب، فضلاً عن استعداء الدول غير الإسلامية، ما يدعوها إلى التضييق على المسلمين المقيمين فيها.
– ليس معنى رفض الأحاديث المسيئة للرسول والإنسانية كافةً، أن نتجرد من تاريخنا، فأغلب الأمم لها تاريخ حافل بالمآثر، وفي الوقت نفسه لا يخلو من المآسي والحروب، وما أقصده هو نبذ الفظاعات التي ارتكبها المسلمون القدامى في غزواتهم، والتي نتج عن تمجيدها في الروايات، كمّ هائل من الكراهية لغير المسلمين، وكذلك لكل اتباع المذاهب الذين لا يؤمنون بفتاوى ابن تيمية، وغيره من الفقهاء ممن دعوا إلى تكفير مخالفيهم، وقتلهم واستباحة نسائهم، ثم أورثوا حقدهم لمحمد بن عبد الوهاب، الذي زاد من قسوة القدماء، وتدرج أتباعه في غزواتهم لجيرانهم حتى وصلنا لداعش.
– لابد من الفصل بين العقيدة والإيمان، وبين التاريخ وشرائع حروب القدماء، وبخاصة سبي النساء واستعباد الرجال. إن العقيدة ثابتة، لكن السلوك الإجتماعي والسياسي متغيران، وكذلك والعادات والتقاليد.
– إن من يروم الدفاع عن الإسلام من منطلق أخلاقي وعقلي، لن يكون من السهل عليه أن يحاجج فقهاء الإرهاب بالأحاديث النبوية، لأنهم سيأتون بأحاديث مخالفة، لذلك لا غنى عن قراءة جديدة للنصوص المقدسة، والنظر بالشك لبعض ما تضمنته كتب التراث من الحضّ على القتل والسبي، وغيره مما ينتقص من القيمة الإنسانية، لأنها كتبت بعد قرون على وفاة الرسول (ص) وأُتخمت بأسماء رواة لا يعرفهم الناقل الأخير، وبعضهم مشكوك بصحبته للرسول، أو قدرته على حفظ ما سمعه منه، فعلى سبيل المثال، كثُرت الأحاديث المنقولة عن ابن عباس، بينما يؤكد عدد غير قليل من الباحثين على أن عمره لم يكن يتجاوز العاشرة حين رحل النبي، فكيف كان بمستطاعه أن يحفظ ويتذكر. لقد دعا الله في آيات كثيرة إلى التعقل والتفكر، وليس الإتّباع الأعمى لفتاوى الفقهاء الأولين الذين لم يكونوا على علم بالمناهج المتطورة في البحث واستقصاء الحقائق، وكانت معارفهم بسيطة، فضلاً عن أن كثيراً منهم كانوا ينطقون بلسان سلاطين زمانهم.
وأخيراً أجد من الضروري التأكيد على أهمية رقابة الدولة على سلوك الدعاة الوهابيين وغيرهم ممن يدعون إلى الكراهية على أساس ديني، ويميّزون طائفة على أخرى، ويبعثون من روايات التاريخ اشدّها تسبباً بالفِرقة والتناحر بين المسلمين، وذلك بأن تفرض سلطتها على وسائلهم الإعلامية المختلفة، وتجرّم أقوالهم المسيئة، وتقاضيهم بدون تمييز أو محاباة لطرف على آخر. وعلى الرغم من أن للدين دور مهم في تشكيل الأخلاق، فإن الدولة يجب أن تكون لها السلطة العليا في كل الأمور التي تؤثر في السلوك العام. وبذلك نضمن نجاة المجتمع من استغلال الفئات المتنفذة التي توظف الدين لمصالحها الخاصة. إلا إن كل ذلك يبدو شديد الصعوبة حين يكون لرجال الدين نصيب من السلطة، وحين تعاني الدولة من مزالق الإنتقال من الإستبداد إلى مرحلة ما يسمى بالتوافق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة