الدروس المستقاة ومتطلبات الاصلاح في العراق

إدارة المعونات الدولية
القسم الاول
د. مهدي الحافظ
د. هدى عبد الملك العاني
في ايلول عام 2003 ، تشكلت أول وزارة عراقية تحت اشراف « مجلس الحكم « . وتم ذلك في ضوء التفاهمات التي جرت بين اعضائه واستجابة للحاجة الوطنية الهادفة للتمهيد لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة التي كانت هدفاً كبيراً لأبناء الشعب . وقد كلف الدكتور مهدي الحافظ مسؤولية وزارة التخطيط .
ولم يكن هنالك آية مشكلة تثار بوجه هذا التكليف الصادر من « مجلس الحكم « الا ان البعض اعترض على استمرار وزارة التخطيط لانها في عرفهم كانت ميزة من ميزات النظام الاشتراكي الذي انتهى في العراق . وقد توسع الموضوع بحيث اصبح من الحكمة ان تناقش هذه المسألة بصورة موضوعية هادئة . وتولى الوزير المكلف شرح المبادئ الاساسية وابداء وجهة نظر مغايرة لتلك الادعاءات غير العلمية . حتى ان السيد بول بريمر Paul Bremer الذي كان يدير السلطة الاجنبية في العراق ، ابدى تفهماً لهذه الحجج واهمل تلك الاعتراضات .
والواقع ان التخطيط ، كمفهوم وآلية ، قد بدأ وانتشر عند قيام الاتحاد السوفيتي . وكان يسمى بـ ( التخطيط المركزي ) وهو الجهة المسؤولة عن تعبئة الموارد الداخلية ووضعها في اطار شامل لتحقيق مجموعة من الاهداف والغايات . أي ان التخطيط كان قراراً اساسياً في سلم اولويات الحكم . اما التخطيط فقد توسع استعماله لبلدان اخرى وهي رأسمالية من حيث طبيعة النظام الاقتصادي السائد فيها فكان بالاساس تخطيط تأشيري Indicative Planning اي يركز على قطاعات او مهمات محددة وليس مسؤولا عن ادارة الاقتصاد ككل . لذا نجد ان التخطيط موجود في بلدان مثل فرنسا واليابان والهند وعدد من الاقطار العربية . أي يتعين التمييز بين التخطيط المركزي الشامل وبين التخطيط التأشيري . فالحاجة الوطنية في العراق تتطلب ان يكون هنالك وزارة للتخطيط وان يناط بها مايمكن من الاهداف الاقتصادية على وفق مفهوم علمي سليم ورصين ، وهو بكل تاكيد نوع من التخطيط التأشيري وعدم الالتزام بالمفهوم الاخر الذي لاتتوفر آلية الحكم المناسبة له في العراق .
في اعقاب ذلك انيط بوزارة التخطيط مهمة اساسية وهي اعادة الاعمار في البلاد والتنسيق مع المانحين الدوليين . فتشكلت الهيئة الاستراتيجية المكلفة بذلك وضمت في عضويتها ووزيري التخطيط والمالية وشخصين هما د . آمال شلاش الخبيرة الاقتصادية والاستاذ محمود عثمان الخبير المالي . وتعينت الدكتورة هدى عبد الملك العاني سكرتيرًا عاماً للهيئة الجديدة . وفي اول اجتماع للهيئة الاستراتيجية جرى انتخاب الدكتور مهدي الحافظ رئيساً لها والفقيد كامل الكيلاني نائباً للرئيس .
والواقع ان حزمة التكليفات التي جرى وضعها اناطت بوزير التخطيط ان يكون رئيساً لهيئة التنسيق الدولية التي تجمع في عضويتها ممثلين للمانحين ومقرها في بغداد .
من المهم ان نلقي ضوء على سيرة اعادة الاعمار في العراق وما تعرضت له من تحديات وماحققته من انجازات . وتولت الدكتورة هدى عبد الملك العاني اعداد هذه الورقة حيث اجريت انا عليها بعض الاضافات القصيرة .
أولا»: خلفية تاريخية لنشوء فكرة المساعدات الدولية وتطور التعاون الانمائي
نشأت فكرة التعاون الانمائي والمعونات الأجنبية في أربعينيات القرن الماضي وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية، وقد طرأت تغييرات كثيرة على فلسفة المعونات منذ نشوءها والى يومنا هذا، ففي خلال فترة الحرب الباردة 1945- 1989 كان التوجه نحو التصنيع، لاسيما وان الدول الغربية كانت تبحث عن اسواق لمنتجاتها عن طريق مساعدة الدول الحليفة لها ومستعمراتها السابقة والمنضوية تحت لواء الرأسمالية الغربية، في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي يساعد الدول الحليفة للمعسكر الاشتراكي.
وتركز الفكر التنموي حول الدفعات القوية للاستثمار وتكوين رؤوس الأموال لتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث ان زيادة الناتج القومي الاجمالي من خلال التصنيع سيعمم الفائدة على الشعوب في زيادة دخلها. وبعد ما يقرب من اربعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، ادرك بأن تراكم رؤوس الاموال لايشكل عامل مساعدة للتنمية، بل ان هناك حاجة الى تغييرات سياسية واجتماعية ومؤسسية والتي تشكل اساساً للتنمية.
وقد وصفت العقود الاولى بعد الحرب العالمية الثانية بالعصر الذهبي للنمو الاقتصادي، ووجهت جهود التعاون الانمائي لتحديث المجتمعات المتخلفة من خلال تطبيقات العلوم الحديثة والتكنولوجيا وذلك لرفع مستويات المعيشة، مع عدم الاخذ بنظر الاعتبار تاثير النمو الاقتصادي على النواحي البيئية والانسانية المختلفة. ويمكن وصف تلك التجربة بالمشروع العلماني البحت على الرغم من المشاركة الفاعلة للكنيسة والمنظمات الدينية لترويج الافكارالتنموية وتقديم المساعدات الانسانية للدول الفقيرة. وعلى اثرذلك، وفي خضم تلك التناقضات تبنت الامم المتحدة في عام 1948 «الاعلان العالمي لحقوق الانسان» والذي تضمن القيم الاخلاقية والانسانية المطلوبة.
وبعد التركيز على التصنيع خلال فترة الخمسينيات والبنى التحتية الاساسية، باتت الزراعة هي محط اهتمام المانحين في الدول النامية في الستينات، وأنصبت المساعدات لأغراض التنمية الزراعية، تصاحب ذلك مايسمى بالثورة الخضراء Green Revoluation في بعض البلدان النامية مثل الهند.
ولكن سرعان ما سيطرت فكرة تقليص الفقر على توجهات المؤسسات المانحة في السبعينيات، حيث وجد أن التركيزعلى معطيات الاقتصاد الكلي قد لايحل مشكلات الفقر في العالم. فأصبحت فكرة التنمية الريفية هي السائدة.
اما عقد الثمانينيات والتسعينيات، ومع نقطة التحول التي حدثت عند انتهاء المعسكر الاشتراكي، انتقل التركيز على بناء المؤسسات والاصلاح القانوني والحكم الرشيد والديموقراطية، وذلك تحدد مسارين : الاول مايسمى Top-down والذي يعني بأصلاح السياسات، والمسار الثاني والذي يعني بالمجتمعات المحلية او القاعدة البشرية الاساسية Grassroots، حيث يجري التركيز على بناء رأس المال الاجتماعي.
وبالرجوع الى بدايات نشوء فكرة المعونات، نرى بأن فكرة الاطار المؤسسي لها قد بدأ خلال الاربعينيات في القرن الماضي، ولعل فكرة تأسيس الامم المتحدة نشأت عام 1943 ، تبعها التأسيس الرسمي في تشرين الاول 1945، والبنك الدولي للآعمار والتنمية IBRD لإعادة اعمار اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تبعه التأسيس الرسمي للبنك الدولي عام 1945، هي فاتحة نشوء الاطار المؤسسي للتعاون الدولي. أما عن المبادئ التي خرج بها مؤتمر « بريتون وودز « المتمثلة بفكرة السوق المفتوح الذي حل محل الاقتصاد الوطني المركزي قد وضعت الاسس للاقتصاد السياسي الغربي والتي اثرت بدورها على سياسات المعونات الدولية.
ومن الجدير بالذكر فأن « خطة مارشال « Europian Recovery Programm لاعادة اعمار اوربا ، تعد اول محاولة ناجحة للمعونات الاجنبية، ولعلها تكون اخر مثال ناجح على ذلك. استمرت الخطة نحو خمس سنوات 1947-1951 وبقيمة 13 مليار دولار ( القيمة الحالية نحو 130 مليار دولار ) على شكل معونات اقتصادية وفنية، وكانت غاية الولايات المتحدة من تقديم تلك المعونات الى اوروبا هو استرجاع النشاط الاقتصادي والذي يحقق بدوره الاستقرار السياسي والامني في العالم. وقدمت الولايات المتحدة نفس العرض الى اليابان والدول الحليفة له ( دول المحور) Atis states ، على شرط انجاز الاصلاحات السياسية والقبول بالهيمنة الاميركية. وقد رفض الاتحاد السوفيتي ( الذي كان حليفا للولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية ) الانضمام الى الخطة، ومارس الضغط على دول اوروبا الشرقية بالرفض. وبذلك نشأت الحرب الباردة 1945- 1989 بين المعسكرين الشرقي والغربي، والتي كرسها « تشرشل» في خطبته الشهيرة الستار الحديدي Iron Curtain – 1946 ، الستار الذي قسم عواصم العالم الى مجموعتين، تلك المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي او الولايات المتحدة. ودعا الامم المتحدة والولايات المتحدة الى الحد من النفوذ الشيوعي والعمل على حماية العالم منه ونشر السلام في العالم، ووضع الاسس الايديولوجية للمساعدات الاجنبية في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث اكد على الروابط القوية بين بريطانيا والولايات المتحدة، والتي يجب ان تعمل على محاربة الطغيان والاستبداد، وكان لذلك تأثير كبير على سياسة الولايات المتحدة الخارجية بعد 2001. بدأت المستعمرات تتلاشى بعد الحرب العالمية الثانية الى عام 1960، ونشأت فكرة الاستعمار الجديد Neo-Colonialism والتي كان لها تأثير كبير ايضاً على المعونات الاجنبية.
ويذكر ان ونستون تشرشل كان معجبا باداء مارشال بحيث دعاه بأنه « منظم الانتصار» آنذاك . كما ان خطة مارشال ارست الطريق لقيام حلف « الناتو « والاتحاد الاوروبي فيما بعد .
لقد تم تأسيس « منظمة التعاون الاقتصادي الاوربية» عام 1948 لدعم إعادة اعمار اوربا وتنفيذ «خطة مارشال»، ثم توسعت عضويتها لتشمل دولا غير اوربية ويعاد تشكيلها عام 1961 لتسمى « منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» ومقرها في باريس. تضم المنظمة في عضويتها 30 دوله، والتي لعبت دوراً مهماً في صياغة السياسات التي تنظم تقديم المعونات والتنسيق مابين السياسات الدولية والمحلية في مجال المعونات الاجنبية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة