تجارب لا تحتاج لمن يعاديها

للزعيم البريطاني الأشهر ونستون تشرشل عبارة تعكس خبرة وواقعية، ذلك الشخص الذي وضعته الأقدار لقيادة بريطانيا العظمى، في أخطر التحديات المصيرية التي واجهتها زمن الحرب العالمية الثانية، يقول فيها ما معناه: (من لم يكن يسارياً في شبابه، ولم يجنح الى اليمين بعد تقدمه بالسن، عليه أن يعيد النظر بنفسه). هذه النظرة الحكيمة التي ترى الأشياء والافكار في حالة صيرورة دائمة، هي التي تهدي المجتمعات والدول؛ السياسات والخيارات الديناميكية والمسؤولة، لا كما يحصل في مضاربنا المنكوبة بكل انواع العقائد الدوغماتيكية، والعقليات المتخمة بالاجابات الجاهزة وثوابت الدمار الشامل. ما نود الاشارة اليه في مقالنا هذا يتعلق؛ بما تطرق اليه أحد ابرز زعماء حقبة الفتح الديمقراطي المبين، والذي شغل منصب رئاسة الوزراء أكثر من تشرشل، السيد نوري المالكي؛ حول أعداء التجربة الاسلامية للحكم في العراق..؟! هذا المنهج الدوغماتيكي والذي يؤمن؛ بان المبدئية الحزبية تقتضي الثبات على المبادئ والأفكار التي اعتنقوها زمن الشباب والعنفوان، من دون الالتفات الى مدونة غوته الخالدة (النظرية رمادية اللون يا صديقي، لكن شجرة الحياة خضراء على الدوام). مثل هذا التصور غير الواقعي عن طبيعة الصراع الدائر بين القوى في عراق ما بعد التغيير، اي الصراع بين الاسلاميين والعلمانيين، لا أساس له سوى في الجماجم المسكونة باعتقاد تمثيلها لهذين المعسكرين الوهميين؛ فلا علمانية ولا من يمثلها في بلد تذكرت شعوبه وقبائله، بيارغ وثارات القرن السابع الهجري، ولا اسلامية مع كل هذا الطفح الآيديولوجي للطوائف وخطابات التشرذم التي أجبرت الاميبيا بقدرتها الاسطورية على الانفسام، من الانكفاء خجلاً من عنفوان قوافل ما يطلقون عليه (الصحوة الاسلامية).
بودنا ان نذكر تلامذة حقبة الحرب الباردة، بأن مناخات ذلك الزمن الذي صدر فيه كتاب فلسفتنا، قد طواه الدهر، ولم يعد هناك ذلك الشبح (الشيوعية) ونفوذها الذي بسط هيمنته شبه المطلقة على عقول وضمائر سكان أكثر الاوطان عشقاً وعلاقة براية العدل الاجتماعي. اننا في زمن عجزت فيه ديناصورات ذلك الحزب من كسب مقعد واحد لها في البرلمان العراقي..؟! ولم يكن غريباً ان تجد مثل هذه التصريحات الطوباوية، صدى طيب لدى من يدعي تمثيله لمعسكر العلمانية من دون وجع عقل أو ضمير، بوصفها اعترافاً بكونهم يشكلون خطراً على (التجربة الاسلامية)، مثل هذه الخدمات المتبادلة بين (الاخوة-الاعداء) لا تلحق سوى الضرر بنا نحن المبتلين بهذه العملية السياسية وعربتها المندفعة الى التعفن أكثر من أي وقت مضى.
ان التجارب الاسلاموية، وجميع التجارب الشمولية لا تحتاج لمن يعاديها، فالتجربة السوفيتية لم تسقط بالاساس، الا من خلال تآكلها الذاتي وابتعادها عن نواميس الحركة والتعددية والتجدد، كذلك ما افرزته صحوتكم الاسلاموية المستندة اساساً على مدونات غارقة بالديباجات والانشاء من المودودي وسيد قطب الى الفريضة الغائبة وولاية الفقية التي تعيش اعوامها الأخيرة. عن أية تجربة يجري الحديث؛ عن 13عاماً المشؤومة في عراق ما بعد التغيير، عندما أهدرت نسخ (الاسلام هو الحل) وواجهات الفلول كل تلك الامكانات والفرص في الصراع على الغنيمة الأزلية..؟
فلنصمت أفضل لنا جميعاً، ولنكف عن العبث بالعلمانية والدين والمذهب رحمة بما تبقى من عقل لدى المنكوبين في الأرض..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة