الأخبار العاجلة

داعش: الانتقال من السجل الجنائي إلى الإرهاب المنظّم

برلين ـ جاسم محمد

احتلت قضية المقاتلين الاجانب، الاوروبيين اهتماماً كبيراً، لدى الحكومات ووسائل الاعلام وهذا الاهتمام جعل تنظيم “دولة داعش” يتعامل مع قضية المقاتلين الاجانب ايضا بأهمية أكبر. فبرغم مايدعيه هذا التنظيم من «ايدلوجية» اسلاموية، فهناك اعداد التحقت بالتنظيم وهي لاتعرف شيئاً عن الدين، ليكشف حقيقة ان هذه الجماعة غير متجانسة وسوف تواجه تفككها تنظيميًا من الداخل. التنظيم وصف بالبؤس في مجال «الفقه الشرعي» للجماعات المتطرفة مقارنة بتنظيم القاعدة، وانه يقوم على اساس تنظيمي عسكري سلطوي دموي. اما ممارسات التنظيم على الارض فتمثل مخططاً ممنهجاً يهدف الى تشويه حقيقة الدين الاسلامي الحنيف ومبادئه، وهذا ماكان وراء تفاقم صناعة الكراهية في الغرب.
ويقول الأكاديمي الفرنسي «بيير فيرمورين»، المتخصص في التاريخ المغاربي : نشأ ما سماه «الإسلام الراديكالي»، خاصة في بلجيكا، مبرزاً أن «داعش» استفادت كثيراً من هذا الوضع، فكان اللقاء بين متطرفي «داعش» والشبكات الإجرامية القادمة من الريف المغاربي قنبلة مدمرة أدمت أوروبا.
ومن المعطيات المهمة التي كشفتها بيانات الملتحقين بالتنظيم وفقا الى تحقيق (قناة الان)، هو ضعف المستوى العلمي بنحو عام، وعلى عكس الدعاية الرسمية للتنظيم، لا يضم داعش سوى 0.5% من أصحاب الشهادات العلمية العليا، برغم أن 30% من أعضائه، يزعمون الحصول على تعليم جامعي، والفرق واضح بين ادعاء التعليم وإثباته بشهادة علمية
وعلى خلاف تنظيم القاعدة الذي كان يبعث بمقاتلين من دول المنطقة الى الغرب لتنفيذ عمليات ارهابية، باتت عناصر داعش اليوم داخل محميات «جهادية» في دول اوروبية، يحملون جوازات سفرها تسمح لهم بالتنقل بحرية، وهذا مايمثل صداعاً الى حكومات واجهزة الاستخبارات الاوروبية.
تنظيم داعش عمليات نوعية في عواصم اوروبية
أكدت مصادر أمنية أن تنظيم «داعش» الإرهابي درب 400 مقاتلا على الأقل لإرسالهم إلى اوروبا لغرض تنفيذ هجمات إرهابية. ووصفت المصادر شبكة الخلايا التي زرعها التنظيم في الدول الأوروبية بالمتشابكة والرشيقة وشبه المستقلة، وهو الأمر الذي يبين تقدم التنظيم في أوروبا حينما يتراجع في سوريا.
كشفت التحقيقات وشهادات الاستخبارات بأن التنظيم بدأ يميل نحو العمليات النوعية في عواصم اوروبية مطلع عام 2016، في اعقاب الضغوطات على معاقله في العراق وسوريا. هذا النوع من العمليات هو محاولة من التنظيم الى:
• تخفيف الضغوطات عن معاقله.
• تشتيت جهد التحالف الغربي ضد التنظيم.
• السعي الى تأليب الشارع الغربي الاوروبي ضد الحكومات الفاعلة في محاربة الارهاب.
• كسب «عولمة الجهاد» بعد الانتقادات الموجهة للتنظيم بانه اعطى ظهره الى القدس الشريف.
فالتنظيم يستهدف تجنيد المقاتلين الاجانب و يستثمر وجودهم، المعلومات اكدت ان التنظيم يستغل المقاتلين الاجانب في تنفيذ العمليات الارهابية داخل اوروبا. أما العمليات الانتحارية ، فربما تنحصر ببعض المقاتلين الاوروبيين الذين التحقوا للتنظيم لأسباب عقائدية اي ان فكرة التطرف اصلا موجودة في ذهنيتهم قبل الالتحاق بالتنظيم.

السجل الجنائي
كشفت التحقيقات بأن نسبة كبيرة من المتورطين في عمليات ارهابية في اوروبا ابرزها تفجيرات باريس نوفمبر 2016 وتفجيرات مطار بروكسل مارس 2016 وعمليات الذئاب المنفردة العديدة في باريس خلال الاعوام الماضية بانهم من اصحاب السوابق، ولهم سجل جنائي. وكانت السجون في اوروبا هي الجسر الذي يربط مابين السجل الجنائي والارهاب المنظم، اي تم تجنيد غالبية الانتحاريين داخل السجون الاوروبية. المعلومات افادت بعدم عزل المعتقلين بقضايا تتعلق بالارهاب والجماعات المتورطة بقضايا جنائية، وكانت شبكة بلقاسم» الشريع’» في بلجيكا انموذجا لذلك.

لماذا يختار تنظيم داعش الاوروبيين من اصحاب السوابق؟
يختار التنظيم هذه الفئة، كون اصحاب السوابق قد اختبروا اجهزة الشرطة والاستخبارات ولديهم القدرة بالتعامل مع قضايا الامن والافلات من» رادار» الاستخبارات والشرطة، وهذا يعني ان لديهم القدرة باستغلال القوانين بعد قضاء احكام السجن .
هنالك اجماع لدى المتابعين لشان تنظيم داعش والجماعات المتطرفة بانه لا يوجد معيار ثابت او خلفية مشتركة الى هذه الجماعة او الشباب الذين يلتحقون من اوروبا و الغرب بالتنظيم ، فالبعض منهم ذات خلفية اجتماعية فقيرة و اخرى ميسورة و اعداد اخرى اسلاموية منفلته. ويحظى المقاتل الاجنبي داخل التنظيم باهتمام ايضا للاستفادة من عامل اللغة و وثائق سفره و علاقاته و خبراته الفنية ، ويحصل على مرتبات افضل من المحليين و المقاتلين العرب.
لكن هنالك اتفاق على شيء واحد هو الالتقاء تحت مظلة التنظيم . يقول (مارك سجمان ) الأخصائي النفسي الذي تابع مسار المتطوعين « للجهاد» و العميل السابق لوكالة الاستخبارات المركزية و مؤلف كتاب « الوجه الحقيقي للإرهابيين» : «إنهم يشعرون بالانتماء إلى جماعة سياسية ، فهنا هم مجاهدون، اما الدين فهو مجرد قشور.»

اسباب التحاق المقاتلين الاجانب بتنظيم داعش:
• الغسيل الدماغي : عبر الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي او عبر منابر التطرف في اوروبا.
• العامل المادي : التنظيم يدفع الى المقاتل من اوروبا مايقارب عشرة الآلاف دولار في بداية التحاقه مع عمولة الى الوسيط. ويحصل على مرتب شهري لايقل عن 600 دولار اميركي على خلاف المقاتلين المحليين. هذه المعدلات من الاجور انخفضت كثيراً خلال عام 2016 في اعقاب خسارة التنظيم الى مصادره المالية.
• التفكك الاسري والاجتماعي: هنالك اعداد من الشباب الاوروبي التحقوا بالتنظيم بسبب معاناتهم من التفكك الاسري ، منها انفصال الابوين وعدم وجود صلات حميمة داخل العائلة.
• سياسات اوروبية ناقصة: عدم حصول الشباب على فرص عمل او تعليم كافٍ على غرار اقرانهم من الاوروبيين.
إن تراجع سياسة دول اوروبا في التكامل الاجتماعي والاندماج، وربما عامل اللغة والتحصيل العلمي ومعدلات الدخل ، دفع اعداد من العائلات من اصول عربية اسلامية الى العيش وسط احياء تكاد تكون مغلقة في اوروبا، يمارسون فيها طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم اكثر من العيش والاختلاط مع الاوروبين.
وتوجد هنا في اوروبا احياء مغلقة تقريباً للجاليات المسلمة، محاولة منها للحفاظ على هويتها وثقافتها اكثر من الاختلاط بسكان البلد الاصلي. فيجد ابناء الجالية في هذه الاحياء متاجرهم بالتبضع والتسوق وحتى المقاهي والمطاعم تكاد تكون مغلقة لابناء الجالية.
المشكلة تكمن ايضا، بأن دول اوروبا تركت تسرب التطرف من بلدان الجاليات الاصلية، مسقط الرأس على سبيل المثال دول شمال افريقيا او المغرب الاسلامي وذلك:
• استقدام مشايخ التطرف الى اوروبا من دول مسقط الرأس، وعدم التعاون مع المؤسسات الدينية الرسمية في دول المنطقة.
• تدفق الشباب الى مناطق نزاعات مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال والمغرب الاسلامي وغرب افريقيا.
• عدم فصل الحكومات الاوروبية مابين ممارسة الشعائر الدينية والميل نحو التطرف والالتحاق بالتنظيمات المتطرفة.
• وجود فجوة مابين دول اوروبا ودول المنطقة تتحملها الاخيرة، تتمثل بغياب التعاون مع تلك الدول في الميادين الثقافية والتربوية ومجالات اخرى.

التوصيات
تستغل الجماعات المتطرفة المشكلات في المجتمع وتقفز على حاجات الافراد والجماعات، واحيانا تضع نفسها بديلا عنه، وهذا يعني ان الحكومات تعطي فرصة الى التطرف بالظهور والنمو. الدراسات المعنية في مكافحة الارهاب تؤكد على ضرورة كبح مسببات الارهاب في مكامنها أي قبل الظهور، وهذا يعني ان من واجب الحكومات والمنظمات الدولية التنبيه الى مخاطر الارهاب بنحو استباقي من خلال وسائل الاعلام والمناهج الدراسية من اجل محاربة الارهاب جذرياً.

*باحث في قضايا الارهاب والاستخبارات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة