رازونة أمل

(اللغة بنت عصرها)
قضينا العمر كله نؤجل عيشنا وحياتنا حتى صارت سنين الأمل والرجاء وانتظار التغيير أكثر من عمر الطوفان إذ خمط صدام والبعث ثلاثة ارباع حياتنا ما بين ثلاث حروب نزقية دمرت الطفولة والشباب واظلمت البلاد بغابات الارامل والايتام هي الاخرى تنتظر أمطار التغيير ومعالجة شر العث القومي، الذي ضرب البلاد طولا وعرضا، بحيث جوفت المدن والبشر وتفلشت بأول قنبلة. أرضة البعث نخرت الانسان العراقي وصار مجرد كائن خرافي أجوف يربي الشوارب القومية حسب صور السيد القائد الضرورة، ويربي اللحية مع الحملة الايمانية في بداية تسعينيات القرن الماضي وبعد السقوط يكرس اللحية مع تشذيب وحلاقة ما تبقى من البعث والقومية وينتفها حسب مزاج الاحزاب الدينية فنهاك لحية شتوية تغطي كل الوجه، وهناك لحية هندسية تحوي المثلث والمربع والمستطيل مع دائرة الاحوال العسكرية، وهناك لحية فقدت شاربها المغفور له وأعلنت الحداد بسواد صارم مثل قير بابل، لكن الموديل الشائع والشاسع هو اللحية الطويلة المشعثة التي تدل على قصر نظر العقل خاصة للسلفيين والوهابيين والخلافيين والامويين والعباسيين والعثمانيين وأي شيء يبدأ بظلام وينتهي بأين .
قضينا العمر ما بين جيش وهروب واعتقال وسجون ثم غربة وموت بطيء على حافة السكين، مشلوخين الى الابد قدم في الوطن وقدم في المنفى، وكان الجميع يراهن على سقوط الحملة الايمانية مع قائدها حتى يستعيد كل واحد منا عمره ويرمم ما تهدم من حياته، ويتنفس هواء الحرية لأول مرة بعد غياب أكثر من ألف سنة، ربما الحرية نفسها شاخت وهرمت ونحن ما نزال أطفال أمل لا ندري ما يحدث في العالم الخارجي. لا ندري بأن الحرية تولد مع كل حلم جديد ولا عمر لها وهي خارج مقياس الزمن وأثاث المكان. ولكن حالما سقط البعث وصدام، طبعا توهمنا انه سقط لكنه موجود تحت كل شعرة شوارب ولحية، موجود بين طيات اللسان وخلايا الدماغ، لذلك حمل كل من جاء بعد السقوط مطارق عملاقة لتكسير الحلم بحياة كريمة بحرية الرأي والمعتقد. جرت حملة تحطيم جماعية لجميع الاحلام المنقولة وغير المنقولة فامتلأت الشوارع بالجثث والاشلاء ونزيف حياة لا ينقطع، وتتصاعد أعمدة دخان تثقب السماء، هو دخان محارق العقول الحرة والحضارات التي سبقت عقيدة الزي الموحد، حتى راح الناس المساكين السذج يترحمون على زمن صدام، لا يدرون بان هؤلاء من جاء بعده، هم من نفس الفصيلة والطينة والمعدن، لا يختلفون سوى بالزي وشعر الوجه، هم أبناء صدام واتخذوه قدوة لهم، يقلدونه في السر والعلن، ما أن انتهى عصر السفلة الاول لصدام والبعث حتى بدأ عصر السفلة الثاني، الذي يبدو عصيا على السقوط والانهيار، لذلك نقول كان هناك رازونة نور في ظلام النظام السابق، هي رازونة أمل بسقوطه، لكن هذة الرازونة انسدت اليوم ولا أمل بسقوط النظام اللاحق.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة