بوذا وتاج محل سحر الفن الهندي في النحت والعمارة

مصر ـ ثروت عكاشة:

ازدهرت الفنون في الهند ومنها التصوير الجداري، وإلى جوار الُستوبه البوذية شّيدت المعابد الهندوكية الصغيرة نسبيا من مواد صلبة تدوم طويلاً، على حين استمر بناء المعابد الصخرية لقرون عدة تالية، لجأ الفنانون خلالها إلى استلهام الأعمال السابقة، مع الإسراف في استخدام النقوش والزخارف في أعمال النحت والتصوير على نحو ما نرى في كهوف أجانته وبادامي وإلّلوره، والحرص على صقل أسطح منحوتاتهم الأنيقة، والالتزام بطابع فني ينزع باطراد نحو الروح الشرقية، حتى اشتهر هذا العهد عن حق بأنه ذروة الحضارة الهندية. ولنا أن نتصّور مدى عمق الوعي الديني في الهند، إذا عرفنا أن الزمن قد حفظ لنا ما يربو على ألف ومائتي معبد من المعابد الكهفية، من بين ألوف المعابد التي شّيدها البوذيون، فضلا عما شّيده الجيينّيون والبراهمة.
وإذا شئنا أن نأخذ مثلا على التأثيرات الخارجية في الفنون الهندية، فلنتناول تصوير بوذا، أحد أهم العناصر الفنية في الفن الهندي. فقد كانت السنوات الأولى التي أعقبت غياب بوذا هي حقبة تحريم تصويره، فخلت المصاطب من صورته ولم تضّم غير عظامه. ومن هنا كانت هذه المصاطب هي النمط المبّكر للفن البوذي، ولمُيْقدم الفنانون على إعداد صور أو منحوتات لبوذا إلا بعد وفاته بقرنين من الزمان في عصر الملك أشوكه. وعندها أسرف الرهبان في اختلاق الأساطير التي تزعم أن الفنانين قد تمّثلوا صورة بوذا من مجرد التطّلع إلى ظّله! ويمكننا التعّرف على بوذا الأبوللوني بعلاماته المميزة مثل خصلة الشعر بين العينين، وعجلة الشريعة المقدسة تشاركه بين كّفيه,، وشعره المضفور وراء عنقه بخيط دقيق، والذي بدا في البداية متمّوًجا، ثم ما لبث أن صار مجّعًدا، وتمّيزت ملامح وجهه بالأنف الإغريقية والحواجب المقّوسة، والعينين شبه المغمضتين المتأملتين، والزائدة المتدلّية من إحدى أذنيه الضخمتين الرامزتين إلى حياة بوذا أميًرا، كما تسربل برداء الرهبان,، الذي تبدو أطواؤه بوضوح.
بدأ تشييد العمارة الهندية المبّكرة بالخشب، ثم ما لبث البناءون منذ عهد أشوكه أن حاكوا هذا النموذج المبّكر، مع استخدام قوالب الطوب والحجر، وتشّكلت الأنماط المختلفة للأسقف كروية الشكل، والقبوات الأسطوانية، والشبابيك الجمالونية,، والأعمدة الملتصقة بالجدران والُّطنف على غرار النماذج الأصلية الخشبية. وكان طبيعًيا ¬ لاسيما في المراحل المبّكرة ¬ أن يكون جانٌب من العمارة الهندية محفوًرا في الصخر، بمعنى أنُتحفر الصومعة في جوف الكتلة الصخرية أو بإزالة سطحها الخارجي لتغدو معبدا قائما بذاته. ولاتزال نماذج من هذه المعابد قائمة إلى اليوم.
ولعل أروع هذه المعابد هو المعبد الهندوكي في كايلاشه (اسم فردوس الإله شيفه بجبال الهملايا) حيث غاص البّناءون حوالي ثلاثين مترا داخل الصخر لتشكيل المعبد، ثم التفتوا إلى الجدران ليحّولوها إلى أعمدة سامقة وتماثيل آسرة ومنحوتات بارزة، كما زّودوا ثلاثة من جوانب المعبد المحفور بالخلوات والمصّليات. ومن المعروف أن الَعْقَد لم يستخدم قط كعنصر معماري في مجال العمارة الهندية قبل دخول المغول إلى الهند، وإن استخدمت الّتقبية ¬ وهي نوع من التسقيف بعقود حجرية متراّصة بين حائطين متوازيين ¬ في العمارة المحفورة في الكتل الصخرية. كما أن هناك أنماطا معمارية خاصة استخدمتها العقيدتان البوذية والجيينَّية أشهرها الستوّبه ما لبثت أن اكتست بالحجر تحيط بها الأسوجة المزّودة بالمنحوتات الزخرفية. وأهم عناصر الستوبه هي القّبة، وغرفة صغيرة على مستوى الأرض في منتصف الستوبه لحفظ الذخائر المقدسة يحَّرم دخولها بعد الفراغ من تشييدها.
وقد شّكل القرنان الأول والثاني الميلاديان عصًرا زاهًرا للفنون في أنحاء الهند بأسرها يشهد على ذلك السياج المحيط بستوبه أمارفتي الذي يحمل جامات ونقوشا منحوتة غاية في الروعة والجمال. وتشّكل مجموعات النحت التي يحتفظ بها متحف مدينة مدراس والمتحف البريطاني كنًزا زاخًراُيشير إلى عظمة الحضارة الهندية خلال تلك الآونة، حيث نرى سرًدا منقوًشا لقصص حيوات (تقّمصات) بوذا الدنيوية السابقة جاتاكه، وقصص حياة بوذا ومآثره أفادهن التي لم تصّور في أي موقع آخر، مثل لوحة تفسير حلم المايا ولوحة عبادة بوذا. وبينما تحفل مدارس بهاُرْت وأجانته وسانشي وغيرها من المواقع بلوحات النقش البارز الّسردية، تنفرد مدرسة أمارفتي باختياراتها الحكيمة الُمثلى لموضوعات نقوشها التي لا سبيل إلى العثور على مثيل لها في أي موقع آخر، فضلاً عن أسلوبها الإجمالي الُمتميز بعرض صورة كاملة لموضوع بعينه دون تطُّرق إلى التفصيلات.

تاج محل
شيده شاه جهان ضريحا لزوجته الأثيرة ورمًزا خالًدا للجمال، والثاني للشاعر الذي وصف ذلك الضريح بقوله: حسب شاه جهان أنه قد سكب على ضفة النهر دمعة واحدة التصقت بوجنة الزمان وأعني به شاعر الهند الأشهر رابندرانات طاغور.
ما يكاد الزائر يجتاز البوابة الرئيسة لمجموعة مقام تاج محل، التي يصل ارتفاعها إلى حوالي ثلاثين متًرا، حتى يطالعه المنظور المتناغم المدروس بروّية للحدائق، وأحواض المياه المنسّقة حول القناة الرئيسة، وفق النموذج الفارسي المعروف باسم جهار باغ, أي الحدائق الأربع، وهو النموذج، الذي اقتبسه عن الفرس بابر، مؤسس الدولة المغولية بالهند عام 1526.
تنقسم حديقة تاج محل إلى أربعة أقسام بواسطة قناتين طويلتين متقاطعتين، كما ينقسم كل قسم بدوره إلى أربعة أقسام أقل مساحة، تحّفها جميًعا ممّرات مرصوفة بالحجر الرملي الأحمر. ولا جدال في أن هذه الحديقة بتنسيقها الرصين البديع,، تضفي على هذا المقام التذكاري جمالاً بغير حدود. وثمة حوض فسيح للمياه من المرمر الأبيض، يعكس صورة الظلال الضبابية لمبنى مقام تاج محل، وصفوف شجر السرو المحاذية، ينتهي قبيل المبنى الرئيس بما يربو قليلاً عن عشرة أمتار، ولا يزيد عمق حوض المياه والقنوات عن متر ونصف المتر. وتوّشي صفحة المياه نافورات تأخذ شكل الزهور، وقدُزّودت بشبكة صرف تحت الأرض، تنتهي إلى خزانات لحفظ المياه المستقاة من نهر جومانه لتزويد الحوض والقنوات بالمياه، ولري الحدائق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة