وردة القلب

فاطمة الشيدي

الصغيرة التي قال الطبيب لحظة ولادتها أنها قد لا تنجو، وأن على الأب اختيار أحداهن (الأم أو البنت)، فاختار الأم طبعا، ومع هذا حضرت هي أيضا بابتسامتها البريئة، وحناناتها الكثيرة والممتدة في الزمان والمكان، فكانت مقاومة منذ لحظتها الأولى، وما تزال تقاوم الغباء والرعونة، والكذب والنفاق، وتنحاز للجمال والصدق والمحبة.
الصغيرة التي فصلت بيني بينها سنوات كثيرة طوال وعجاف، كانت كافية لأن تزرع بيننا ست أجساد طرية، (شقيق وخمس شقيقات)، والكثير من البحار والوديان والزروع والمروج، والنخيل …والأصيل، والأحراش والأمواج، والكلام والصمت، والليالي والنهارات.
زمن طويل يصلح لأن تتشقق الأرض أخاديد بيننا، وتورق أشجارا وثمارا، وفروقات وأغنيات. وليصطدم طينها اللين بصلابة الأيام التي عبرتني، وهواء صدرها المرح بجدران عزلتي، وضحكها العفوي بصمتي، وأغنياتها الهشة بموتاي وموتي. ولنعيش معا على جانبي نهر المحبة تبتسم كل منا للأخرى، ونحب بعضنا كأنه الحب كله، ونسكت عن فروقات الزمن كي لا تصبح شروخا، وعن اختلافات الوعي كي لا تتصير موجة غضب، وعن تباين الأجيال كي لا تصير تشظيات، وتحاذر كل منا أن تسقط في فخ الأخرى كي لا تتماهى معها، أو تصطدم بها.
الطفلة الصغيرة (آخر العنقود) الذاهبة نحو الحياة بعنفوان البدايات، ولذة المغامرة والتجريب، التي تحب الهرج والمرج، والفرح والمرح، والأفلام المصرية والهندية، والأغنيات السريعة والوجبات السريعة، والقراءات السريعة. وتحب أمها وأباها أكثر من الدنيا ومافيها.
الطفلة التي وهبتها الحياة آخر موجة من بحر السور، وأول قطرة من سواقي مزارع الهمبا والبيذام، وأجمل ابتسامة، وأحلى معشر وحضور . تلك الصغيرة الجميلة ولدت هذا اليوم قبل بضع سنوات، امتدت الآن، وكنا نظنها لن تمتد، وكبرت وكنا نظنها لن تكبر، لتظل صغيرتنا المدللة، ولكنها استطالت كشجرة نادرة فدرست وعملت، وأشعلت الكون محبة وجمالا وغبطة وسرورا.
* فاطمة الشيدي: شاعرة وكاتبة وناقدة من عُمان، تعمل أستاذة بجامعة السلطان قابوس، ولدت في إبريل 1973 بمسقط، حاصلة على درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها 1994، ودرجة الماجستير في مناهج اللغة العربية من جامعة السلطان قابوس 2001، و دكتوراه الفلسفة في الآداب، تخصص (اللغويات الأسلوبية) من جامعة اليرموك 2008 .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة