إقالات إقالات.. وبعدين؟

ما ان تتبخر فقاعات الاستعراضات وعنتريات الاهازيج وملحقاتهما من طقوس الدمار الشامل، حتى يسارع القوم الى فرك المصباح والذي لا يجيد مارده غير مفردة واحدة هي: الاقالات بوصفها السبيل المجرب للهروب واعادة تدوير بضائع ثوابتنا الجليلة. عندما كشفت مؤسسات الامن والعسكر عن حقيقة امكاناتها الفعلية بمواجهة عصابات داعش، سارعوا الى عطابة الاقالات والتي شملت عدداً محدوداً من أرتال الجنرالات. وهكذا الامر في بقية مجالات ومؤسسات الدولة المدنية، حيث تتم اقالة الوزراء وعدد من ملاكات الهرم الاعلى لها، ثم تعود ورشة اعادة التدوير تمضغنا من دون شهية. لقد بح كيبوردنا من شدة الطرق عليه ولم تلق صرخاتنا عن العيوب والمخاطر الحقيقية التي تواجهنا، أذناً صاغية وعقولا تدرك جذور وعلل الكارثة المحيطة بهم.
من يتابع مسيرة ما اطلق عليه بـ (التغيير) والذي دخلنا عامه الرابع عشر قبل أيام، سيجد ان ذلك “التغيير” حصل في شأن واحد فقط؛ وهو انتقال حقوق ملكية (بستان قريش) من قافلة الى اخرى، وما يلحق ذلك من مستلزمات واصطفافات لمثل هذه الزحزحات على صعيد اعادة تقسيم اسلاب الغنيمة الأزلية. لا تغيير ولا تحول في بقية ميادين الحياة المادية والقيمية، فلا تشريعات جذرية في مجال جني الثروات وتراكمها، ولا قوانين لولادة ووجود ونشاط الاحزاب السياسية والنقابات المهنية وغير ذلك من بديهيات التحول الذي عرفته الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري، وغير ذلك من التشريعات والنشاط الذي يدلل على وجود ما يتعلق بالعافية في هذا الوطن المنكوب بلعنة الاقالات ثم الاقالات ثم الا… والعياذ بالله.
جذر المشكلة يكمن في هذا النفس القصير جداً لا لدى الجموع والحشود وحسب، بل لدى غير القليل ممن يطلق عليهم جزافاً بـ (النخب) وذيولها الاعلامية والثقافية المسكونة بعجاج القوافل الغابرة. وهذه الطركاعة لها اسبابها الموضوعية، والتي تستند الى كم هائل من الهزائم والخيبات وبرامج الدمار الشامل التي نفذت بشكل بشع ضد شعوب هذا البلد المنكوب طوال عقود من الهيمنة المطلقة لـ (جمهورية الخوف)؛ لذا نجد الجميع يعتصمون بعروة الحلول السحرية السريعة للنجاة من حالتهم الميئوس منها، ونتائج مثل هذه الهرولات معروفة، حيث المزيد من الاحباط والخيبات، والتي تزود موروثنا من الغناء الحزين بما يحتاجه من الاحتياطات اللازمة. ما حصل بعد “التغيير” ان محظوظيه ادركوا قيمة ما خلفه لهم النظام المباد من خراب قيمي وروحي ومن حطام للبشر والحجر، وهذا هو سر الانتفاخات الاسطورية لحيتان المشهد الراهن، حيث لا يحتاج هذا الحطام البشري لغير الرجوع لمواهبه المجربة في مجال الدقلات، كي يتناغم وذائقة القادمين الجدد. ومع مثل هذه الخيارات من الدقلات أو الاقالات وغير ذلك من سكراب الحلول الفردية والجمعية وتقنيات الهروب للأمام، ستجد شعوب وقبائل وملل هذه المضارب نفسها اكثر قرباً من متحف المنقرضات..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة