الأخبار العاجلة

سيجريد (هونكه).. مستشرقة ألمانية تكشف صدمة الغرب من العرب

المحرر الثقافي
سيجريد هونكه (1913 – 1999) مستشرقة ألمانية، قامت بعدة رحلات إلى الشرق وتعرفت على شعوبه وألفت كتباً يغلب عليها الميل إلى إنصاف العرب والمسلمين، ولا سيما العرب في الأندلس، مما أدى إلى تعرضها لحملات استياء من بلادها. زارت هونكه مصر مع زوجها بدعوة رسمية عام 1962 تقديراً لهما واعترافاً بالجميل لجهودهما المتواصلة في خدمة العرب، فحصلت على العضوية الشرفية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالأزهر عام 1983م. ألفت أربعة عشر كتاباً، معظمها عن أمجاد العرب والمسلمين والدفاع عنهم، وتُرجم منها كتب ثلاثة: شمس الله تسطع على الغرب، العقيدة والعلم، وحدة الدين الأوروبي وعلم الطبيعة، الله ليس كمثله شيء، الكشف عن ألف فرية وفرية عن العرب. وقد أخذ بعض النقاد عليها أنها نسبت الخطوات الحضارية الإسلامية للعرب فقط وليس للمسلمين جميعاً، وكذلك ليس للعرب غير المسلمين، وهذا أمر غير مفهوم عندهم، فلو لم يكن الدين محركاً جيداً لكل المسلمين، فكيف نؤكد أن العرب وسط الصحراء تمكنوا من إنشاء حضارة عالية أفاد منها العالم!.
كذلك فإنها لا تتحدث عن الأتراك العثمانيين بطريقة لائقة؛ لأنها ترى أنهم لم يشاركوا في حضارة علمية أو ثقافة عامة، ولكن ربما كان هذا في الثلث الأخير من سيادة الأتراك العثمانيين وليس دائماً.
والدها هينريش هونكه ناشر، وأمها هيلد جارد أستاذة جامعية.. درست علم مقارنة الأديان والفلسفة وعلم النفس وعلم النفس الجماعي للشعوب والصحافة واللغة الألمانية وتاريخ القرون الوسطى.. تعلمت في جامعات كيل kiel وفرايبورج وبرلين، وكان من أساتذتها المُفضلين لديها مارتن هايدجر الفيلسوف الألماني المشهور وإدوارد شبرنجر الفيلسوف والتربوي، وهيرمان مانديل ولودفيج كلاوس، وتلقت العلم على هانز جينتر.. وبعد دراسة دامت ست سنوات حصلت سنة 1941م على إجازة الدكتوراه في الفلسفة وعالجت الأثر العربي في الشعر الغنائي الأوروبي.
كذلك قامت بعدة رحلات في الشرق وتعرفت على شعوبه وبلاده وثقافاته، وأقامت بالمغرب فترة والتقت زوجها المستشرق الألماني المعروف بدراساته في الأدب العربي دكتور شولتر (الشيخ محمد الطويل) واستقرا في بون حيث بدأت في تأليف كتبها التي عنيت بإنصاف العرب والمسلمين، ولاسيما الأندلسيين، مما أدى إلى تعرضها لحملات استياء في موطنها جعلتها تنضم إلى بعض الجمعيات الوطنية الألمانية لتكف الأذى عنها.
تعلمت اللغة العربية وأتقنتها وأخذت في قراءة الكتب العربية والتاريخ العربي والإسلامي، وبالأخص الأندلسي.. وقيل إنها أسلمت في أخريات أيامها وتوفيت عام 1999 في هامبورج.
زارت هونكه مصر وبغداد والجزائر وتونس وحلب ورحب بها الجميع ووجدوا فيها شخصية أوروبية تُظهر اهتماماً بحضارتهم الإسلامية. كما حصلت على جائزة وسام الفيلسوف كانت عام 1981، وعلى العضوية الشرفية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام 1983 وجائزة الشاعر شيللر عام 1985، ثم وسام الاستحقاق والتقدير المصري من الطبقة الرفيعة في العلوم والفنون عام 1988.
تُرجم لها إلى العربية (في البدء كان رجل وامرأة) عام 1953. (شمس الله تسطع على الغرب)، (أثر الحضارة العربية في أوروبا) عام 1969، (جمال على معطف القيصر-لقاءات عربية ألمانية منذ كارل الأكبر.).
و تتناول زيجريد هونكه في كتابها (الله ليس كمثله شيء) صدمة الغرب من العرب في الفصل الأول، فتقول: كان هدف البابا الثاني تحقير المسلمين، وكان هدف وعاظ الحروب الصليبية وصفهم بأنهم “أوغاد سفلة” و”أعداء الإله” و”أعداء المسيح” وأنهم يُدنسون القبر. ورأوا أن العرب ليسوا إلا شرذمة حقيرة في درك أسفل منهم، أما هم فإنهم مختارون من الله!.
وتؤكد هونكه أن التسامح العربي هو السبب الرئيسي لانتشار الإسلام على الرغم من المزاعم المتشددة ضده.. ولم يكن رجال الدين المسيحي وحدهم هم الذين لم يقتنعوا بذلك، فما زال مسيحيو الغرب بعد مرور اثني عشر قرناً ميلادياً متمسكين بهذه المزاعم حتى اليوم، ومتمسكين بالحكايات المختلفة التي كانت الجدات ترويها وبهذه الخرافات، وما زال ثمة مَنْ يُعبر عن ذلك بالكلمة في الصحف والكتب وبالرأي المعلن وبأجهزة الدعاية الحديثة.
وتستطرد سيجريد هونكه قائلة: “الحق أن معتنقي الديانات الأخرى مثل المسيحية واليهودية والصابئة هم الذين دخلوا الإسلام تأثراً بحضارة الفاتحين، ولافتتانهم بذلك أطلقوا على أنفسهم أيضاً أسماء عربية ولبسوا الملابس العربية وقلدوا العرب في تقاليدهم، بل تعلموا العربية واتبعوا مراسيم العرب في الزواج والنطق بالشهادتين ولم يجذبهم إلى العرب كرمهم وتسامحهم فحسب، بل جذبهم أيضاً أسلوب معيشتهم والتمدين العربي، ولا سيما الظرف والكرم والمروءة وجمال الطبع، وكان لهذا كله قوة جذب لا تُقاوم”.
والمثير أن نجد هذه المستشرقة الألمانية هونكه تدافع عن حضارة وعلوم واكتشافات العرب والمسلمين في جميع المجالات: فلك، وعلوم طبيعية وطبية… فتقول: قيل إن أعمال العرب التي تدفقت على أوروبا، وبخاصة في القرن الثاني عشر الميلادي لقيت الترحيب والحمد لله كما لقيت الرفض والهجوم عليها، فقد صادفت ترحيباً عند بعض الدوائر العلمية وفي واحات مهرة الدراسات الطبيعية مثل مدارس شارتر ورايمز وأوجسبرج وكولونيا ورايشنا وإكسفورد، حيث أقبلوا على دراستها بلهفة، ورجحت عندهم كفة هذه الأعمال. حتى إن عالماً مثل أدلهارد فون باث اعترف بأنه هو نفسه -إن أراد التمكن من إنجاز أفكاره الخاصة- عليه أن يضعها في كثير من الأحيان على نسق المؤلفين العرب. وفي مقابل ذلك قوبلت أعمال أعداء الدين (أي العرب من وجهة نظر الكنيسة) بالرفض الفظ المفتعل وبالارتياب، ليس فقط بسبب مشاعر الحسد والحقد، بل لأن هؤلاء العرب الممقوتين الذين يستحقون كل ازدراء من ذوي الفضل لا يستحقون عندهم توجيه الشكر لهم، ولا يستحقون أن يقف الغرب منهم موقف التلميذ الذي يتعلم منهم، فهو موقف ذليل -فضلاً عن أنه اعتراف بتفوقهم- مما يضطرهم آخر الأمر أن يلتزموا بتقديم الشكر لهم.
وتؤكد هونكه: إن محاولة نسبة المخترعات العربية إلى أوروبيين قد امتدت واستخدمت في علوم كثيرة ولا سيما في الطب الذي كان في حاجة لسد العجز فيه.. وإن مَنْ يتصدى لعلاج المرضى دون أن يفهم ما قدمه العرب يمكن أن يُقال عنه بكل بساطة إنه يُخرب الصالح العام. لقد جاهد الغرب بكل قواه -سنين طويلة- كي يجحد فضل العرب في أسبقية المعرفة في كل الميادين، حتى هبت عاصفة عنيفة في حقول الدراسات الأدبية في العشرينيات من القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة