في ذكرى السقوط: من الذي سقط؟

سلام مكي
كاتب عراقي
في هذه الايام، انقضت 13 عاماً بالتمام والكمال، على اكبر حدث في تاريخ العراق، غير كل تفاصيله، وادخله في مرحلة تاريخية جديدة، في هذه الايام، تخلص العراقيون من ابشع نظام عرفته المنطقة، ليدخلوا في نظام، ما زال الى اليوم غامضاً، وغموضه، اسهم بإبقاء الجدل والخلاف مستمراً حول طبيعة السقوط اولا: فهل سقط النظام؟ ام سقطت بغداد؟ ام سقطت الدولة بأكملها؟ وهل ما حدث هو تحرير؟ ام احتلال؟ هنالك الكثير من الفئات، تركت كل شيء، واكتفت بالتنظير لفكرتها، واثبات ان ما جرى هو احتلال او تحرير. ارى ان ذكرى نيسان 2003 هي فرصة كبيرة، للعراقيين اولا، وللسياسيين ثانياً، لمراجعة مسيرتهم في العملية السياسية، من عدة وجوه، اولها: ان يفكر العراقيون بحال سياسييهم الذين تقدس بعض فئاتهم اليوم شخصيات من داخل العملية السياسية، تقديسا اعمى، وتدعو لحرق كل ما سواهم. ادعوهم اليوم الى التفكير بتلك الشخصيات وما كانت تملكه من اموال قبل 13 عاماً واليوم، عليهم ان يفكروا كيف كان قادة الكتل السياسية سابقاً وكيف هم اليوم. وهل اوضاعهم، كانت تسمح لهم بأن يتحكموا اليوم بمقدرات العراقيين، ولهم الكلمة العليا في البلد. وقبل هذا، يفترض ان يتم تقييم شامل لجميع مفاصل العملية السياسية، وان يقفوا ولو لمرة واحدة لإعادة سيناريو الاحداث والتغيير، وكيف وصل السياسيون الى ما وصلوا اليه من مكانة ومناصب ونفوذ سياسي ومالي، خصوصاً وان الكثير من التقارير الصحفية تتحدث بنحو مستمر عن ثروات بعض السياسيين وأسماء رؤساء كتل سياسية لديهم ارصدة مالية وحسابات وعقارات في عدد من الدول، وهم قبل 13 عاماً تحديدا، كانوا مشردين يعيشون على مساعدات بعض الدول التي يعيشون فيها. هذه الاخبار، يفترض ان يتم التقصي عنها والكشف عن حقيقتها، من قبل الشعب العراقي قبل غيره، لأنه هو صاحب تلك الاموال، وأي حديث عن تلك الاموال يخصه وحده من دون غيره. في ذكرى التغيير، على العراقيين ان يسألوا انفسهم: ما الذي تغير بعد كل هذه السنين؟ الخلاص من طاغية، ونظام دموي حكم العراق بالحديد والنار، وقتل الاف الابرياء بلا ذنب، لندخل في نظام، اقل ما يقال عنه انه فوضوي، قائم على مبادئ هجينة لا وجود لها في ادبيات السياسة والتنظير السياسي الحديث، نظام اخذ من كل فكرة شيئاً، لكنه لم يطبق الا السيء منها. نظام لم يفلح في انهاء اخطر ظاهرة واجهها العراق بعد التغيير وهي الارهاب، فشل في تخليص العراقيين من القتل شبه اليومي والمجاني على يد الارهاب، اضافة الى الفساد والخراب وتهديم ما بني سابقا. للأسف، ان الحنين الى الماضي، بات كلامًا اعتياديًا، فالكثير يتحدث اليوم عن الطاغية، ويطالب النظام الديمقراطي اليوم بأن يكون مثله. في وقت كان مثل هذا الحديث هو جريمة كبرى، قد تؤدي بصاحبها الى الاتهام بالارهاب والبعث، اما اليوم، فحتى خطباء المنابر، وآخرهم، شيخ قالها بالحرف الواحد: لو عاد صدام لانتخبه نصف العراقيين! للأسف، هذا الحال الذي وصلنا اليه، لا يتحمله السياسيون وحدهم، بل الشعب يتحمل هذا، الشعب هو الذي اتى بهذا النظام، ويصر على اعادة انتاجه، وبالوجوه نفسها والادبيات والخطاب، من دون تغيير، وكأن البلد ليس فيه احد سواهم. بالعودة الى السؤال الاهم: من الذي سقط؟ صحيح ان الذي سقط هو النظام، لكن بالمنظور القانوني، ان الدولة ايضا لم يعد لها وجود، لتخلف احد اركانها الثلاثة وهي السلطة: فالدولة لابد من السلطة والارض والشعب، حتى تنال الشخصية المعنوية وفقاً للقانون الدولي، وبما ان العراق لم يعد فيه سلطة في مثل هذا اليوم، لذا، فانها اصبح بلا شخصية معنوية، لكن هذا الحال لم يستمر طويلا، بل مؤقتاً، اذ تم لاحقاً تشكيل حكومة مؤقتة ثم انتقالية، وبعدها دائمة. اما الذي لم يسقط اساساً فهو: الانسان العراقي، فهو لم يسقط على مر التاريخ، حتى عندما كان العراق مستعمرة بريطانية، كانت هناك ارادة حرة، ارادة اسهمت باحراج اكبر دولة في ذلك الوقت. اما اليوم، فلا اتصور ان الارادة الشعبية، لم تعد موجودة، فيمكن للعراقيين، ان يسترجعوا خساراتهم، عبر توظيف تلك الارادة فقط. الانسان العراقي يملك الحرية الخارجية التي تؤهله لأن يتخلص من كل قيوده الداخلية، ليكون حراً كاملا، وهنا يمكنه ان يرمي الفاسدين والاحزاب الفاسدة كما رمى النظام السابق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة