أنساق التمفصل في القصيدة الحديثة (أنشودة المطر) للسيّاب أنموذجاً

فاضل ثامر
عن المجلة العربية
في كل خطاب شعري هناك انساق تمفصل داخلية تنتظم حركة اللوحات والجمل الشعرية وانتظامها وتتابعها. بل يمكن القول ان انساق التمفصل هذه يمكن استنباطها في جميع انواع الخطاب الابداعي والفني في الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما، وربما تمثل مشاهد السيناريو المسرحي والسينمائي انموذجا مجسدا لمثل هذه التمفصلات، حيث الانتقال المدروس من نقطة الى اخرى ومن مشهد الى اخر بما يخدم وحدة العرض المسرحي والسينمائي. وربما تمثل الفصول في المسرحيات شكلا من اشكال التمفصل الى حركات او وحدات كبرى تنقسم بدورها الى وحدات دلالية او تعبيرية صغرى. وهذا ينطبق ايضا على تقسيم الرواية الى وحدات او فصول ومشاهد. واذا ما كان التمفصل في بعض الاجناس والانواع الادبية واضحا او خارجيا، فان التمفصل داخل القصيدة، وبشكل خاص في القصيدة الحديثة يتخذ شكلا غير مرئي وغير مباشر. ولذا يختلف النقاد، عادة، في اكتشاف واستنباط لوحات التمفصل في هذه القصيدة او تلك. وتأمل هذه الورقة ان تقف قليلا عند انساق التمفصل في قصيدة (انشودة المطر) للشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب، وتعدد قراءات النقاد العرب حول ذلك.
ولا يمكن الجزم طبعا بوجود نسق واحد ثابت في القصيدة، بل يمكن القول بوجود انساق عديدة لتشكل الوحدات واللوحات واللقطات في كل قصيدة، حتى ليمكن القول ان لكل قصيدة انساق تمفصلها الخاصة التي يتعين على الناقد اكتشافها. كما ان مثل هذا الاكتشاف يظل نسبيا لانه يعبر عن رؤيا قرائية او تأويلية لهذا الناقد او ذاك، قد يخالفه فيها ناقد اخر، بل ان الناقد الواحد قد يقدم قراءة مغايرة في زمن لاحق.
ويختلف النقاد في تقسيم قصيدة ما الى عدد معين من الوحدات او اللوحات او الجمل الشعرية. فهناك من يميل الى تقسيم قصيدة معينة الى خمس وحدات بينما يزيد ناقد اخر هذا العدد او ينقصه على ضوء المنهج النقدي الذي يأخذ به والذي قد يكون لسانيا او بلاغيا او دلاليا او رؤيويا او انطباعيا او اسلوبيا اوشكلانيا او سياقيا او سيميائيا او اسلوبيا، وهو ما يفترض بالضرورة تمفصلا معينا يلبي هذه القراءة المنهجية اوتلك.
لقد اثارت قصيدة (انشودة المطر) منذ ظهورها حتى اليوم الكثير من الجدل النقدي، وكما لاحظ الناقد د. حاتم الصكر بحق انه «لن يكتب لقصيدة حديثة ان تنال مانالته انشودة المطر لبدر شاكر السياب من ذيوع واهتمام لا بسبب موضوعها فحسب، بل لانها عالجت مبكرا علاقة السياسي بالفني من خلال ترميز برنامج القصيدة الوطني وهدفها الايدولوجي المعبر عن معتقدات السياب الثورية كشيوعي في ظل حكم ملكي يحكم العراق زمن كتابة القصيدة».
ولو تمعنا قليلا لوجدنا ان (انشودة المطر) من وجهة نظري النقدية الخاصة هي بالاساس خطاب شعري موجه من مرسل تخييلي او افتراضي يوظف ضمير المتكلم انا او الذات الثانية للشاعر الى مروي له مؤنث، قد يتخذ احيانا صيغة المونولوج الداخلي وقد يرتفع الى نبرة الخطاب المنبري والتراسل وجها لوجه او تخيليا. ومن اجل تقديم قراءة شخصية للقصيدة سأعمد الى تقسيمها الى ست عشرة لوحة او مفصل اوحركة او مفصل اولقطة او جملة شعرية (بالمعنى الواسع للجملة الشعرية ). ويخيل لي ان مصطلح «حركة»هو الافضل لانه ينطوي على حركيه ودينامية قد تفتقدها بقية المصطلحات التي تبدو سكونية.
وبالتأكيد فأن مفردات المطر والماء والخليج هي كلمات مفتاحية جعلت القصيدة كليا «مائية» وتؤكد ماذهب اليه الناقد ياسين النصير من ان القصيدة تنتمي الى «شعرية الماء» حيث يتحول الماء الى بنية فاعلة ومولدة داخل القصيدة.
يمثل الاستهلال الغزلي في القصيدة خطاب مناجاة يحفل بالمجازات الشعرية كالصور والاستعارات والتشبيهات المتنوعة، فيرسم لوحة حية تعوض بصورة غير مباشرة عن حالة الجدب واليباب والضياع والحرمان الني يعيشها الشاعر في منفاه وهو يقف على الخليج، وهو ما وجدنا له مثيلا في اجواء الكثير من قصائده الخليجية ومنها (غريب على الخليج) التي تشترك معها في الكثير من السمات «المائية» وتضادات الموت والحياة. وهذا المطلع، بل والقصيدة بكاملها تضمر اسطورة تموز بوصفها اسطورة الخصب والحياة والموت معا، لكنها لاتطل عبرتناصات متكاملة بل تتشظى داخل الفضاء الشعري لتكون النص الغائب، ولكن المهيمن على حركة القصيدة الداخلية وانطلاقها من السكون الى التمرد. وشخصيا ألمس تناصا اخر مع (نشيد الانشاد) من الكتاب المقدس الذي نقرأ فيه :
«ها انت جميلة يا حبيبتي، ها انت جميلة عيناك حمامتان»
ومستهل انشودة المطر الذي يشكل الحركة الاولى في القصيدة غير بعيد عن هذا الوصف
« عيناك غابتا نخيل ساعة السحرْ
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الاضواء.. كالاقمار في نهر».
وفضلا عن اشكال المجازات نجد تجليات لبنيات التوازي على مستوى الجملة او شبه الجملة فضلا عن تكرار «عيناك» في مطلع بيتين متقاربين، ويؤسس هذا المطلع الى بنية الثنائيات الضدية التي ستتراكم لاحقا، وتدخل تدريجيا الى طقس الاسطورة التموزية :
«وتغرقان في ضباب في اسى شفيف
كالبحرسرح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء وارتعاشه الخريف
والموت والميلاد والضباب :والضياء
وتتصاعد هنا الثنائيات الضدية المتعارضة :الموت والميلاد، الظلام والضياء، دفء الشتاء، ارتعاشة الخريف، في اتساع في بنية الصورة الشعرية التي تتناسل وتمتد افقيا وعموديا، طولا وعرضا كما لاحظت ذلك الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي.
هذا المشهد الذي يصفه البعض بالسكونية بسبب هيمنة الجمل الاسمية نحويا يفجر يصفه في الحركة الثانية في الواقع داخل ذات الشاعر الثانية ردود فعل واستجابات عنيفة تعمق من حركية اللوحة الفنية ودينامياتها :
«فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوة وحشية تعانق السماء».
وهكذا يتقوض سطح البحيرة الساكن ليكشف عن عنفوان مقموع او مغيب.وتستطيل الصورة الشعرية من خلال تشبيه بالكاف واخر بـ(كأن ) ليوسع فضاء القصيدة من الاغلاق الى الانفتاح ,ولخلق الحركة التموجية الثالثة للقصيدة :
«كنشوة الطفل اذا خاف من القمر !
كأن اقواس السحاب تشرب الغيوم «
ومن خلال ثلاث جمل فعلية تتفجر القصيدة بالمطر، الكلمة، المفتاح التي تمثل ايقاعيا ثلاث ضربات عالية ومدوية، وكاننا امام ضربات في سمفونية لبتهوفن :
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
انشودة المطر….
مطر..
مطر..
مطر»..
وهكذا تبدأ القصيدة بالاستعداد والنهوض والتحدي من خلال تفجير كل القوى الكامنة او الصامتة في النفس الانسانية وفي الطبيعة حيث تبدأ الحركة الرابعة لتتحرك ضمن نسق سردي عند الطفل / الشاعر الذي يسأل عن امه التي ذهبت بلا عودة :
« كأن طفلا بات يهذي قبل ان ينام
بأن أمه – التي افاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لح في السؤال قالوا له :
بعد غد تعود
وبعد ان يكتمل مشهد البنية السردية يوسع الشاعر فضاء القصيدة مرة اخرى بصورة افقية في الحركة الخامسة من خلال توظيف «كأن» التي اصبحت بالنسبة للشاعر اداة لفتح صفحات مطوية من سفر التجربة الشعرية :
«كأن صيادا حزينا لجمع الشباك
ويلعن المياه والقدر
وينثر الغناء حيث يأمل القمر
مطر..
مطر..
هاهي «كأن» تؤسس لصورة خليجية وربما من صور اهوار جنوب العراق حيث الصياد الحزين يجمع شباكة ويلعن المياه والقدر وهو يندب حظه الذي لم يواته، لتطل لأزمة القصيدة / المفتاح واعني بها «مطر» مرتين وكأنها القرار في لحن موسيقي متناوب.
وبعد ان غابت مؤقتا صورة الحبيبة في الحركات الاربع الماضية تعود ثانية في الحركة السادسة، ليس على مستوى الوصف الحسي، بل من خلال استدعائها للمشاركة الوجدانية والروحية والفكرية، وكأنهيرغب في ان يضمها الى القوى التي تدعم مشروعة التغييري الذي مهد له بصورة المعاناة والجدب :
«اتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب اذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟
بلا انتهاء – كالدم المراق، كالجياع ،
كالحب كالاطفال، كالموتى هو المطر»
هنا يهيمن المطر على مجموعة من اللوحات السالبة، والمتناقضة احيانا لكنها تفتح على افق اخر في البيت الاخير :
«كالحب، كالاطفال، كالموتى هو المطر»
ليقلب معادلة الاسود والابيض، والظل والضوء في تعالق بين الذات والموضوع ويمهد للحركة السابعة التي تختتم فيها الحبيبة حضورها الحسي، لكنها تظل متواصلة على مستوى الخطاب :
« ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر امواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم والمحار
كأنها تهم بالشروق
فيسحب الليل عليها من دم دثارْ»
في هذه الحركة يراكم الشاعر كل عناصر التمرد والتفجر لتحقيق حلم التغيير زاده مقلتا الحبيبة وزوادته سواحل العراق التي كأنها تهم بالشروق.
وتكشف الحركة الثامنة عن تصعيد جديد من خلال التحول من الوصف وبناء المشاهد الى النداء بما فيه من قوة وانفعال وتطلع مخاطبا الخليج هذه المرة :
« اصيح بالخليج : ياخليج
ياواهب اللؤلؤ، والمحار، والردى
فيرجع الصدى
كانه النشيج
ياخليج
يا واهب المحار والردى».

وعلى مشارف الذورة يعيد الشاعر في الحركة الثالثة عشرة توظيف عبارة (وفي العراق جوع )ولكن على مستوى التعميم والتفريع «ما مر عام والعراق ليس فيه جوع :
ومنذ ان كنا صغارا، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر
وكل عام –حين يعشب الثرى نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
هي حسرة الصغار الذي يكتشفون هذه التضادات المخيفة حيث» كل عام – حين يعشب الثرى نجوع
وهنا يدرك الشاعر انه قد اقام كل الدلالات على مبررات وضرورات التمرد والثورة بعد ان اقام الحجة الجمالية بعد الحجة فيرفع تدريجيا راية التحدي في الحركة الرابعة عشرة مستنجدا بدموع الجياع والعراة ودماء العبيد التى تراق
«في كل قطرة من المطر
حمراء او صفراء من اجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار.مبسم جديد «

هكذا تتفجر الاسطورة التموزية بالوعد اذ اتعود دورة الخصب ثانية من كل قطرة تراق من دم العبيد لتعلن عن تطلع عميق :
سيعشب العراق بالمطر :
ويعود الشاعر الى استرجاع مشروعه الشعري ,من خلال التكرار المعنوي احيانا او من خلال التكرار اللفظي الكامل كما سنجد ذلك في تكرار الحركة الرابعة عشرة بالكامل في نهاية القصيدة.
فها هو في الحركة الخامسة عشرة يراجع الحركة التاسعة لا يكتفيمرة اخرى لتوكيد دائرية البنية الشعرية :
«اصيح بالخليج ,ياخليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى»
لكنه بالتكرار ,وانما يعمد الى التوسع في الصورة وفي الامتداد الافقي :
«فيرجع الصدى
كانه النشيج
ياخليج
ياوهب المحار والردى
وينثر الخليج من هباته الكثارْ
على رمال رغوه الاجاج
وما تبقى من عظام بائس غريق»
ويستعيد معنويا في الحركة السادسة عشرة ما بنته القصيدة في حركتها الحادية عشرة ولكن على مستوى التصعيد والوعيد :
وفي العراق الف افعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الفرات بالندى»

ويكرر الشاعر في الحركة السابعة عشرة الحركة التاسعة ليغلق دائرةالبنية الشعرية وكانه يقذف للمرة الاخيرة بـ «بيت القصيدة» المعتمد في القصيدة العربية الكلاسيكية بعد ان اضاف لها بيتا واحدا هو
« ويهطل المطر
في كل قطرة من المطر
حمراء او صفراء من اجنة الزهر»
وتختم هذه الحركة بالاضافة الجديدة لجملة
«ويهطل المطر»

التي تكاد ان تشكل لوحدها الحركة الثامنة عشرة والاخيرة ضربة وامضة ومتفجرة تعد بالحياة بالحياة والمستقبل , وتقلب المنظور المتشائم الى منظور متفائل متطلع الى غد اجمل وافضل.
قصيدة انشودة المطر التي كتبها السياب عام 1954 توكيد اخر على قدرة الشعر الاسهام في التعبير عن معاناة الانسان وتطلعه الى التغيير لازالة كل عوامل القبح والجوع والعداوة ومن خلال بنية فنية متنامية ومتصاعدة لتشكل شهادة لصالح شعراء الحداثة في خمسينيات القرن الماضي وفي مقدمتهم الشاعر بدر شاكر السياب في التزامهم الاخلاقي والجمالي بالانسان والمجتمع والشعب من خلال تجذير مشروع الحداثة الشعرية التنويري.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة