لحظة تبخر الخوف وجمهوريته

في مثل هذا اليوم 9 نيسان من العام 2003 تسمرت عيون العالم كله على ما جرى في ساحة الفردوس، عندما وجد مارشال الأصنام المنتصب وسطها، نفسه وحيداً بعد أن خلع (الرفاق) الزيتوني وملحقاته ليلوذوا بما توفر لهم من دشاديش وازياء تساعدهم في الوصول الى جحورهم اسوة بقائدهم الذي انتشل مذعوراً من حفرته. شاهد العالم كله حقيقة مشاعر السواد الاعظم من سكان هذا الوطن المنكوب لحظة تحررهم من سطوة أبشع تجربة للخوف والعبودية عرفتها المنطقة. أم المشاهد هذه دونها التاريخ، كما ذلك الفرح الحقيقي الذي رافقها، ولا يمكن لمحاولات اعادة وتدوير مؤسسات الخوف والارهاب التي ظهرت لاحقاً، من ان تدفن أو تمسخ تلك الحقيقة التي شاهدها العالم أجمع.
أما ما جرى بعد ذلك مباشرة (فرهدة الممتلكات العامة ومشاهد ما عرف بالحوسمة) أو بعد أشهر من انحناء الفلول امام العاصفة، عندما طفحت واجهاتهم الجديدة الى مسرح الأحداث، فلذلك اجابات وتفسيرات محلية محضة، تتعلق بقيم وتقاليد لها جذور راسخة فردية وجمعية، أشار اليها مراراً الراحل الكبير علي الوردي في كتاباته الشجاعة والرصينة. كما لا يخفى على المتابع الموضوعي، ما رسخته اربعة عقود من الهيمنة المطلقة لسلطة (أوباش الريف وحثالات المدن) على مقاليد أمور الدولة والمجتمع وتفاصيل الحياة الشخصية للناس، عندما فرضت معاييرها ومنظومتها القيمية الشاذة، لتحل مكان منظومة قيم الحداثة والتعددية وشرعة حقوق الانسان التي كرس الرعيل الأول من الوطنيين العراقيين حياتهم وخيرة مواهبهم من أجلها. وفي هذا المجال لا يمكن اغفال الدور الذي لعبته احزاب وقوى وزعامات ما كان يعرف بالمعارضة العراقية، التي تلقفت زمام الامور بعد الفتح الديمقراطي المبين، حيث ساهمت بعجزها وافلاسها وتشرذمها بما تختصره العبارة الشعبية (چمل الغرگان غطة). وهنا اتحدث بوصفي كنت جزء من هذه المعارضة نهاية السبعينيات، وادركت مبكراً مدى هشاشتها وغربتها عن الاهداف والغايات التي تدعيها، حيث تشترك جميعها من دون تمييز على اساس الطلاء والمساحيق التي تتستر بها، بهذا الوباء، والذي اسفرت عن ملامحه تجربة أكثر من عقد لها في حكم البلد، وما نشاهده اليوم من السبل الموصدة التي أوصلونا اليها، بفعل شراهتهم وبعدهم عن كل ما يمت بصلة لمصالح الوطن والناس الحيوية، وبفعل عجزهم العضال عن التجدد، ولا خيار أمامنا، للحفاظ على ما تبقى لنا من فرصة للعيش داخل الوطن؛ الا تجفيف هذه البرك الراكدة منذ عقود.
لنكف عن اجترار التحليلات الفنطازية وبضائع الموتى، وتعويذة القاء اللوم على الآخر (المحلي والاجنبي) بكل ما ينزل على رؤوسنا من مصائب، ليس آخرها النسخة التي مثلت اعلى مراحل الهمجية والاجرام (داعش) وغيرها من ابتكارات مراكز فقه وبحوث “خير امة”. لقد أهدرنا فرصة تاريخية لا تعوض ربيع العام 2003 عندما تلقفت شحاطات أطفال بغداد رأس الصنم في ساحة الفردوس، لحظة كانت تحتاج لزعامات وقوى ومشاريع غير معطوبة، لحظة اهدرها الصراع والنهش المتبادل بين الحيتان الجديدة وحنين الفلول لاسترداد الفردوس المفقود. وبالرغم من كل هذا الضياع الهائل للامكانات والوقت والقوى والثروات، ما زالت الفرصة متاحة للخيارات الواقعية والشجاعة، ان نقلنا المهمة والمسؤوليات الى جيل آخر غير مثقل بالاكاذيب ويعرف قدر نفسه وامكاناته الواقعية لا الاستعراضية التي لا تجيد غير اهدار الفرص وشيطنة الآخر المختلف..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة