الأخبار العاجلة

شهادة فاروق الشرع للتاريخ

الرواية المفقودة..
إن علاقات العراق والكويت ظلت متوترة ومتأزمة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى هذه السنة التي نعيشها2015 لم تكن بسبب طبيعة النظام الحاكم في العراق ملكياً كان أم جمهورياً ، وحتى لم تكن بسبب خلاف بين حزب البعث وقادته وبين شيوخ الكويت، أو بين أي حزب سياسي أو ديني تولى السلطة في العراق وبين أي سلطة كويتية .فالمشكلة المستديمة والمتوارثة لم تكن مرتبطة بشيخ معين من شيوخ وأمراء الكويت، بل أنها مشكلة ثلاثية الأبعاد تاريخية وجغرافية واقتصادية
كه يلان محمد

ثمة أشخاص لايرتبط تأثيرهم باللحظات التي يتواجدون فيها داخل دائرة الأضواء فقط بل عندما يتوارون أيضاً ويقتصدون في الظهور يحتفظون بوزنهم وبقيمتهم التاريخية ،فاروق الشرع وزير الخارجية السورية السابق هو من هذا النوع على الرغم من نُدرة ظهوره بعد أحداث سوريا التي بدأت حلقتها الأولى من مدينته درعا منذ عام 2011 فقد ظل عنصراً ثابتاً في كل الإفتراضات والتحليلات التي تدور حول سوريا.إنتشرت الشائعات تارة حول فرض الإقامة الجبرية عليه ،كما تسربت الأخبار تارة أخرى حول إنشقاقه ومُغادرته لسوريا,فضلاً عن ذلك وقع الأختيار على إسمه كبديل للرئيس السوري بشار الأسد لإدراة الفترة الإنتقالية في عام 2012.فأصبح فاروق الشرع في حالة ظهوره أو إختفائه خلال هذه السنوات مُحتفظاً بوقعه أكثر من غيره.ربما تأتي هذه القدرة على التحكم بجدلية الحضور والغياب في المشهد مماراكم لدى فاروق الشرع من الخبرة والدراية خلال تعامله مع الملفات الشائكة من موقعه كوزير للخارجية السورية منذ 1984حتى تولى الأسدالأبن مقاليد الحكم في سوريا.فهو رجل دبلوماسي من طراز خاص.قاد عملية مفاوضات بلده مع الجانب الإسرائيلى لإستعادة الأراضى المحتلة وإقرار مشروع السلام الدائم.عُرِف الشرعُ بصرامته وذكائه في قراءة الإستحقاقات.من هنا نتفهم لماذا قد حظي كتابه (الرواية المفقودة) الصادر عام 2015بإهتمام المراقبين إذ يتوقف فيه عند وقائع تُعيُنك لإدراك تركيبة المعادلات السياسية في الوقت الراهن.

الجذور
بجانب العنوان الأساسي يوجد عنوان فرعي لكتاب فاروق الشرع (مذكرات وشهادات) لذلك يفتح شهادته بالحديث عن الببئة التي نشأ فيها،كمايُقدم مسحاً جغرافياً وتاريخياً خاطفا لممدينة درعا فهو يذكر بأن أسرته كانت تنتقل من مكان إلى مكان أخر نتيجة لطبيعة عمل والده.لذلك لم يبصر النور في مسقط رأس والديه بل لم يَتعرفْ على درعا إلا وهو في التاسعة من عمره .ومن ثُم يأتى إلى ذكر سنوات الدراسة وتوافد الفلسطنين المهجرين إلى مدينته بعد نكبة 1948وهو يقول بأن أبناء المهجرين الذين قد تعرف عليهم لم يساورهم الشك بعودتهم القريبة إلى ديارهم مقتنعين بأن إقامتهم في درعا لاتطولُ .زيادة على ذلك يتناول الشرع في هذا الفصل الموسوم ب (بين النكبتين) الإنقلابات التي قد شهدتها سوريا بدءً بإنقلاب حسنى الزعيم 1963 حتى وصول البعث إلى السلطة في عام 1963،وتوالت بين التاريخين سلسلة من الإنقلابات.ويذكرُ حالات الإنقسام في المجتمع السوري بين الإيدلوجيات القومية السورية والبعثية هنا يورد أنموذجا عن هذه الحالة داخل أسرته حيث توزع إنتماء أخويه علي وعبدالمنعم بين التيار القومي السوري والتيار البعثي. إذ صارت السجالات السياسية قائمة في كل بيئات المُجتمع.كمايُشير فاروق الشرع إلى تباين وجهات النظر حول مشروع وحدة مصر وسوريا ومن ثُمَّ إخفاق هذا المشروع وعدم إستمراره.هنا يؤكد بأن هذه الهزائم والإخفاقات ماكانت لتحصل لولا الفصل بين حرية الوطن وحرية المواطن.ينتقل الشرع إلى مرحلة أخرى عندما يتعرف على حافظ الأسد عن طريق أحد زملائه إذ يجده قليل الكلام ولايتوقف عن التدخين. ثم يلتفت إلى روافده الثقافية ودراسته في كلية الأداب وشغفه بقراءة الروايات والملاحم العالمية.وتوظيف هذه المعرفة الأدبية في حقل السياسة.يُفضل السياسي المُخضرم أن يضع القارىء في صورة الصراعات داخل حزب البعث.يشير إلى أن التطرف اليساري وصل إلى مستوى طالب بعض اليساريين بأن لايكون القسمُ باليمن و أن لايسير الرفاق إلا على الجانب الأيسر.هكذا تستمر المماحكات إلى أن يصعد حافظ الأسد إلى قمة السلطة 1970بينما كان قادة حزب البعث المشاركين في المؤتمر العاشر منغمسين في الجدلات فاجأهم الأسدُ بإعلان الحركة التصحيحية من هنا يبدأ فصلُ جديد في تأريخ سوريا يكون فاروق الشرع أحد أبرز وجوهه.

صراع الأخوة
يصف فاروع الشرع الصراع على السلطة بعد غياب حافظ الأسد إثر تدهور حالته الصحية في عام 1983 بالصراع الذئبي.إذ عَين الرئيس لجنة لإدارة الدولة .لكن رفعت الأسد أراد الإستحواذ على كل السلطات وإقصاء من لايدور في فلكه.فكان رفعت يظهر في المناسبات العامة كرئيس الدولة .ولم يكن فاروق الشرع كما يذكر من الذين حاولوا التزلف إلى الأخ الصغير.بل خاصمه عندما تولى وزراة الإعلام مؤقتاً حظر مرور صور رفعت الأسد الإستعراضيةعبر شاشات التلفزة.هنا يلمحُ فاروق الشرع إلى محاولات بعض الدول للتأثير على مسار السياسة السورية من خلال رفعت الأسد فالأخير كان يرغب في بناء علاقات متينة مع شخصيات سياسية مؤثرة. ويميلُ إلى المحور الأميركي .إذ يبدو رفعت الأسد حسب رواية الشرع متذبذباً إستعراضياً وكان له شطحات بخلاف أخيه الكبير الذي كان قارئاً نهماً للتاريخ وهادئاً بعيداً عن الإرتجالية. لذلك إنتهى الصراع بإبعاد رفعت الأسد وحاشيته إلى موسكو ومن ثم سويسرا إلى أن صار مُقيما في باريس.وأنت تقرأ قصة هذا الصراع تدرك بأن ذكاء الأسد الأب حال دون تحويل الدولة إلى إقطاعية عائلية.كما تكتشف وجود تنافس محموم بين الشرع وعبدالحليم خدام.

صور القادة العرب
قد أنشأ فاروق الشرع شبكة من العلاقات الواسعة النطاق مع الدوائر السياسية على المستوى العربي والخارجي إذ يقدم في كتابه إنطباعاته عن بعض القادة متفادياً توصيفات مسيئة. وأحياناً ينقل لك تصورَ الأسد الأب عن بعض القادة منهم صدام حسين الذي ما إرتاح بتصرفاته منذ إلتقي به عندما كان الأخير نائباً لأحمد حسن البكر.كما لم يمنح الأسد ثقته بياسر عرفات إذ عده رجل التكتيك وليس الإستراتيجية. فالأسد كما يؤكدُ الشرع أكثر من مرة شكاك لايمنح ثقته بيسر.كما يصف فاروق الشرع الشيخ زايد بأنه كان عروبياً بالفطرة.ويعطي رأياً إيجابياً عن أمين الجميل واصفاً إياه بالدماثة.كما يبدي إعجابه الشديد بالملك الحسن الثاني .وعلى الرغم من تكرار اللقاءات بين الأسد والمبارك غير أنك تستشف بأن الأول ماكان يُعول على الثاني بقدر ما أراد جس نبض الجانب الأميركي عبر ما يتلقاه من القيادة المصرية.بالمقابل يُقدر الشرع ذكاء أسامة الباز وعمرو موسى.ويُثمن إهتمام الرئيس الشاذلي بن جديد بسوريا.الأكثر من ذلك يُسجِلُ رؤيته عن بعض قادة وشخصيات سياسية أخرى مثل وزراء الخارجية الأميركية وتقدير الأسد لمساعي بيل كلينتون من أجل تسوية الصراع العربي الإسرائيلي.ويكشف مايمتلكه الإسرائليون من النفوذ في الوسط السياسي الأمريكي إذ أَسَرَّ له جميس بيكر بأن مهمة دينس روس الذي كان يصاحبه في جولاته المكوكية تتمثل في حماية ماتعده إسرائيل خطاً أحمر في المفاوضات.كما يؤكد له جمي كارتر على الكونغرس الأميركي يُعطل فعالية أي قرار رئاسي لايتماشى مع مصالح إسرائيلية.

وزير بصلاحية الرئيس
هناك جوانب مشتركة بين شخصيتى حافظ الأسد وفاروق الشرع لعل الصرامة والهدوء من أبرزها لذلك كان الأسد واثقاً به بحيث فوضه بصلاحيات كاملة لإدارة المفاوضات المضنية مع إسرائيل أو اللعبة الكبرى على حد تعبير الشرع.حاول فاروق الشرع أن يحافظ على تلازم مسارات التفاوض بين العرب وإسرائيل غير أن الإسرائليين بمساعدة أميركا نجحوا في الفصل بين المسارات ظناً منهم بأن ذلك يُلين موقف سوريا.لكن لم يتنازل الشرع مما عده ثوابت بل رفض مصافحة المسؤولين الإسرائيين حتى لوجمعت بهم طاولة واحدة.أو حاول بعضهم إحراجه مثلما عمل ذلك ديفيد ليفي.بجانب كل ذلك يتناول فاروق الشرع مامرت به المنطقة والعالم بعد الحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق للكويت وإنهيار الأتحاد السوفيتى من تحولات مزلزلة.والتغيير في موازين القوة.ويبدو أن ماتشهده دول المنطقة من الصراعات والحروب على المستويات كافة ليس إلا امتداداً لما يستعرضه الشرع في روايته المفقودة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة