الأخبار العاجلة

أزمات النزوح في العراق بسمات مشتركة أبرزها الظروف الصعبة

تعدّ من القضايا المستعصية كالملف الأمني والصحة والتعليم
كرار رفعت*

في مناطق النزوح تتنوع المعاناة بين اماكن السكن فالبعض سكن المخيمات ومنهم من سكن خربة قديمة ، والبعض الآخر سكن بنايات قيد الانشاء ومنهم من سكن المدارس والبعض الآخر حصل على وضع أفضل بأن سكن أماكن العبادة من مساجد او حسينيات وكنائس ، وبرغم تعدد اشكال إيواء النازحين إلا انها اشتركت في سمات عامة ابرزها الظروف الصعبة .
الباحث الأجتماعي محمد عبد الحسن يصف النزوح بأنه بوابة لجملة من المشكلات والاشكاليات على الاصعدة الاجتماعية والنفسية والتربوية ، مضيفا ان تعرض الافراد في ظل الحروب او الارهاب الى التهجير القسري ، يولد لديهم مشاعر متضاربة من آلم وخوف وتوجس فضلاً عن اختبار تجارب حياتية لم تكن تخطر على بال بعضهم، كما هو الحال عندما يترك الاهل والاصدقاء والجيران وفي بعض الاحيان حتى فقدان بعض افراد الاسرة.
كما أكد “عبد الحسين” أن المشكلات الاجتماعية للنازحين قد تتسع لتشمل كل المفردات السلبية الموجودة في قاموس العلوم الاجتماعية من تفكك اسري، الى ترمل او تيتم وفقر وحاجة وجوع واستغلال فكل الافراد الذين يتعرضون للتهجير القسري يصابون بالمشكلات غير ان هناك شرائح تكون اكثر من غيرها معاناة بسبب هذا الامر وهم الاطفال والنساء.
وإزاء مشكلة النزوح العصية والموروثة منذ القدم كانت سلطة القانون متغاضية، فالمشرع العراقي غاب عن ذهنه سن تشريع قانوني يدير أحوال البلاد في حالات الكوارث والنزوح التي تفشت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي مع نزوح الآلاف من يهود العراق، وأيضاً في سبعينيات القرن الماضي تم قسراً تهجير آلاف العائلات الإيزيدية من مناطق سكناهم الجبلية الى السهول اسفلها بسبب العمليات العسكرية في الشمال، كذلك في الثمانينيات هُجر أيضاً الآلاف من الكرد الفيلية، كما برزت ظاهرة نزوح المواطنين في أثناء فترة الحرب مع إيران، لتتكرر حالات النزوح مرة أخرى في اثناء فترة الحرب الطائفية 2006 و 2007، وتجلى هذا النزوح في أشكال عديدة ليبلغ اوجه في آخرها.
تعود ازمة النازحين الاخيرة الى كانون الأول عام 2013 عندما بدأت موجة النزوح من محافظة الانبار مع بدء العمليات العسكرية التي شهدتها صحراء المحافظة ضد تنظيم داعش الأرهابي آنذاك وبحسب أحصائيات المرصد العراقي لحقوق الإنسان نزح أكثر من نصف مليون شخص من سكان المحافظة خلال شهر ونصف الشهر بإتجاه محافظات الوسط والشمال.
وقد لجأت الغالبية من سُكان الأنبار إلى مناطق أقليم كردستان العراق، التي إكتظت بالنازحين، وطالبت على إثرها الجهات المعنية بالأقليم بمزيد من المساعدات المالية لتتمكن من توفير المكان والغذاء والدواء للعائلات التي دخلت حدود الإقليم.
وقد مرت أزمة النزوح بتحول مفصلي مع اجتياح داعش لمحافظة الموصل في العاشر من حزيران 2014 لينزح اكثر من مليون ونصف المليون مواطن من المحافظة، الأقليات الدينية والعرقية نالوا القسط الأوفر من هذا النزوح فالمسيحيون في سهل نينوى والتركمان في تلعفر والشبك في طوزخرماتو هُجروا وتحولت مناطقهم الى ساحات معارك.
وبعد يومين من سيطرة التنظيم وبسط نفوذه في مدينة الموصل بعد إنسحاب القوات الأمنية العراقية من المدينة، نزحت آلاف العائلات من محافظة صلاح الدين التي سقطت هي ايضا بيد التنظيم الأرهابي. هذا ويرى الخبير القانوني حيدر الشكرجي رئيس جمعية شراكة في صنع القرار ان المنظومة القانونية في العراق درجت التشريعات المتعلقة بالكوارث والأزمات تحت إطار حالات الطوارئ التي لم تكن تصب في صالح المواطنين بل كانت توظف تشريعاً وتنفيذاً لحماية انظمة الحكم واشخاص القابضين على السلطة.
وأضاف الخبير القانوني ان هذه التشريعات المتعلقة بالطوارئ لا تعالج معالجة حقيقة وفعلية حالة النزوح الداخلي للسكان حيث تأتي اغلب موادها لتعطي صلاحيات استثنائية وواسعة للسلطة التنفيذية لمعالجة حالات الاضطراب الامني ومعظم تلك الصلاحيات هي صلاحيات امنية وعسكرية هدفها فرض النظام العام عن طريق وسائل الضبط .
كما أكد الشكرجي على إمكانية اللجوء الى تشريع “قانون حماية النازحين” فيه من التفصيلات والحلول الكافية لمعالجة تلك الحالات بعيداً عن اعلان حالة الطوارئ، الأمر الذي يبعدنا عن ضياع حقوق النازحين بسبب الصراعات السياسية.
من جانبه يرى الصحفي مصطفى سعدون انه اضافة الى غياب التشريع تبرز ظاهرة غياب صوت الرأي العام المتمثل بالصحافة والاعلام، فهو يرى أن هناك تعاملا سلبيا من قبل بعض وسائل الإعلام مع قضية النازحين.
كما أكد سعدون على أنهُ في بداية النزوح روجت بعض وسائل الإعلام التابعة للأحزاب السياسية بأن النازحين يريدون دخول المدن للتفجير فيها، وهذا عكس الحقيقة حيث كان بإمكانهم تناول الخبر بطريقة اخرى ، وأضاف أن الإعلام أنشغل بقضية النازحين سياسياً ولم يأبه ويلتفت لها من الناحية الإنسانية وهذا الأمر أسهم في تغييب حقوق النازحين وضياع فرص مساعدتهم والضغط على الجهات المعنية لتقديم الخدمة المطلوبة لهم.
مع ذلك فان العديد من منظمات المجتع المدني تعمل للمدافعة على تشريع قانون لحماية النازحين .
وتقول الدكتورة آمنة الذهبي من مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية ان هذه المؤسسة بدأت منذ مطلع شباط الماضي بأطلاق حملة مدافعة للحث على ضرورة تشريع قانون لحماية النازحين في العراق، موضحة دور المؤسسة في تبنيها للحملة لتوفير أحتياجات النازحين الإنسانية ، وأكدت على أهمية تكاتف الجهود وتوحيد الرؤى لايجاد حل لظاهرة النزوح المستمرة في العراق منذ عقود من اجل ايجاد اطار قانوني للتعامل مع ظروف النزوح والكوارث لشتى الاسباب.
واوضحت انه وبرغم تعدد الاراء واختلاف طرق العمل لتنظيم وضع ازمة النزوح الا ان احوالهم تسير من سيء الى اسوأ في ظل غياب لصوت السلطة التشريعية ، لافتة الى انه مع ان السلطات الثلاث لا تقتصر جهداً في الحديث عن اوضاع النازحين ليلاً ونهاراً إلا أن واقع العمل على الأرض ما زال يشير الى عجزهم جميعاً عن وضع حد لمعاناة اكثر من 3 ملايين مواطن عراقي بدأت منذ حزيران 2014 حتى الآن.

*صحفي عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة