الزماط والثول العضال

كثيراً ما يردد سكان هذه المستوطنة القديمة من شتى الرطانات والازياء، عبارة (احنه مفتحين باللبن) تعبيراً عن ذكائهم وحنكتهم في سبر غور المخاطر والتحديات التي تتربص بهم. هكذا يعيدون اجترار مثل هذه الادعاءات المتنافرة ومعطيات الواقع ومسيرة الانحطاط التي لم تكف عن مرافقتهم حتى بعد مرور أكثر من عقد، على انتشالهم من جوف جمهورية الخوف بفضل الغوث العابر للمحيطات ربيع العام 2003. لا شيء يقدمونه الى هذا العالم المندهش من آخر صرعات هلوساتهم وجنونهم، غير الزماط والمزيد من الزماط المعتق منه أو الحداثوي، يجمعهم جميعاً ذلك الوباء العتيد للثول العضال، ولا فرق بينهم الا القشور والعناوين مقطوعة الجذور. عبر عقود من العبودية والعتمة والتجهيل، لم يتبق من منظومة القيم والمعايير التي تحتفي بعقل الانسان ووعيه وابداعه شيء يذكر، ويمكن تلمس ذلك في الهيمنة الواسعة لعنجهية الجهلة والمتخلفين واحتقارهم لمثل تلك المعايير والشخصيات المعبرة عن تلك القيم المجربة، منذ لحظة استلام (حثالات الريف وأوباش المدن) لمقاليد السلطة والقرار بعد اغتيال الجمهورية الاولى، الى يومنا هذا الحافل بالنسخ المبتكرة منه، ومثل تلك الفضلات وتقاليد التخلف والهمجية التي خلفوها تتقافز، عبر فزعات اضافية من الزماط والأهازيج.
مصيبتنا كبيرة ولا يمكن الالتفاف حولها بمثل هذه العطابات والاستعراضات، وهي تحتاج منا الى الشجاعة والصدق قبل كل شيء، وهذا بدوره سيعرفنا مجدداً على ما هجرناه طويلاً أي (التواضع) في التعاطي مع امكاناتنا الواقعية لا الاسطورية كما يحصل الآن. لا يمكن بمثل هذه الضحالة من الوعي والثقافة المستمدة من القرن السابع الهجري، مواجهة تحديات عصر قفز بشبخات ضوئية لعالم ما بعد الحداثة. لا اصلاح ولا تغيير مع مثل هذه المشاريع والعقليات المسكونة بفقه محاكم التفتيش وانواط الفرقة الناجية. الاصلاح الواقعي الوحيد يتطلب ولادة المعنى الجديد للحياة وهمومها الممزوج بالهمة والاستعداد للتضحية الايجابية (لا المجانية) والايثار من أجل كرامة الانسان وحقوقه وحرياته، ومثل هذه البديهيات تقبع اليوم في قعر اهتمامات حيتان المشهد الراهن وما تبقى من دغل الليبرالية واليسار. لذلك ونحن نترنح عند حافات الهاوية، علينا تقليص حجم الزماط ولعنة الاستعراضات والادعاءات الخاوية أولاً، وبعد ذلك الاستعداد لمواجهة حقبة ما بعد جفاف ضرعنا الريعي.
غير القليل ممن تلبسهم وباء الزماط، يتوهمون انفسهم سبباً اساسياً لكل هذا العشق والرواج ليافطات الاصلاح والتغيير والتكنوقراط وغير ذلك من العبارات المتبخترة على خشبة المشهد الراهن، من دون ان يلتفتوا الى حقيقة ان مثل هذه الدقلات لا علاقة لها بهم لا من قريب ولا من بعيد، وان المقبل من المناصب والمسؤوليات لن تحمل للمتورطين بها سوى الغم والفشل السريع، حيث لا موارد ولا غنائم ولا مقاولات ولا هم يحزنون، لا شيء غير مهمة اعادة الروح لهياكل ومؤسسات وادارات وورش ماتت منذ زمن بعيد. الحيتان والقطط السمان ادركت بغريزتها التي نادراً ما تخطأ، ضرورة ترك الوزارات والمناصب، وقراراتهم الاخيرة والمتتالية تؤكد ذلك، حيث تركوها لجيل مثقل بالبطرنة والزماط لمواجهة تحديات من دون اية مستلزمات للنجاح، حيث لا تقاليد عمل وانتاج وابتكار، ولا بنية تحتية تستجيب للانعاش ولا وعي بكل هذه العيوب البنيوية، يمكن ان يخفف علينا من وقع المفاجأت المقبلة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة