الأخبار العاجلة

كيف تتم إصلاحات بغداد في بيئة موبوءة بالصراعات والمصالح الفئوية؟

في ظرف عصيب يمرّ به العراق
ترجمة: سناء البديري
« ان المتابع للأحداث في العراق يرى ان اغلب الإجراءات التي قامت بها الحكومة العراقية هي إجراءات لم تكن مساساً للواقع السياسي، بل هي كانت ترقيعية تحاول تهدئة الأوضاع الداخلية، مع عدم الضرر بالحزب الحاكم، المستحوذ على اغلب المناصب الحكومية، خصوصا مع وجود عقبات واضحة أمام الإصلاحات، وأن الحكومة باتت في منطقة حرجة بل صعبة للغاية، حيث تتداخل العقبات الإدارية مع الدستورية لإجراء الإصلاحات، في ظرف عصيب يمر به العراق، يتمثل بالتهديد الأمني الخطير الذي يتهدد وجوده بالكامل، متمثلا بالحرب الكبيرة التي يخوضها العراقيون ضد تنظيم داعش الإرهابي.» هذا ما اشار اليه المحلل السياسي « روبن بلاك « في حوار خص به الصحيفة عندما سئل عن رأيه الصريح في الاصلاحات الاخيرة للحكومة العراقية .
كما اشار الى ان « اغلب المسؤولين العراقيين؛ وحتى الذين كانوا ينادون بإلغاء المحاصصة الطائفية وإنها سبب مشكلات العراق قد غيروا رأيهم الان وأصبحوا ينادون باحترام الدستور والتوافق السياسي، وذلك بعد تعرض مصالحهم الشخصية للخطر، فقد حذروا من ضرب المؤسسات الوطنية الدستورية وخرق الدستور والقفز على المتوافقات السياسية التي تشكل صمام أمان للاحتجاجات الشعبية، وإن أي إصلاحات أو إجراءات تتخذها الحكومة يجب أن تكون منسجمة مع مبادئ الدستور العراقي، مشددين على أهمية احترام الدستور وعدم تجاوز التوافق السياسي، حتى ان اقرب المقربين لرئيس الوزراء ومنهم الائتلاف الوطني قد رفضوا اجراء أي تعديل على الحكومة، فقد اكدت كتلة المواطن مثلا ان أي تغيير وزاري في الحكومة يجب ان يشمل الكل بما فيهم رئيس الوزراء نفسه، وهو مطلب تعجيزي، وهو يعني ضمنا ان أي تغيير واصلاح في الحكومة يعني اسقاط الحكومة الحالية وسحب الثقة منها.»
كما اشار الى ان « الحكومات البرلمانية في جميع التجارب العالمية، اما ان تكون حكومة الحزب الفائز في الانتخابات هي التي تشكل الحكومة وبقية الاحزاب تكون في خانة المعارضة تراقب وتحاسب تلك الحكومة، او حكومة ائتلاف الاكثرية حيث تتحد بعض الكيانات السياسية الفائزة لتشكل تحالفا يمتلك اغلبية في البرلمان وتبقى بقية الاحزاب والكتل الاخرى في صفوف المعارضة او النمط الثالث وهو الحكومة الائتلافية الشاملة وهو الأنموذج الذي سارت عليه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005 ولحد الان.»
واوضح بلاك ان « العملية السياسية العراقية وما رافقها هي التي تحتاج الى عملية اصلاح شاقة وطويلة، ولا يتحقق ذلك الا بتغيير العقلية السياسية العراقية التي تفكر وتخطط وتدير وتنفذ، وهذا يحتاج الى سنوات طويلة لا يكفي فيها تغيير وزراء تكنوقراط وغيرهم.»
بلاك اشار الى ان « الاكراد يصرون على النسبة القومية في التوزير، والسنة رأوا في القائمة مزيداً من التهميش الطائفي، والشيعة لم يتوحدوا خلف رئيس للوزراء لحسابات قيادة الجمهور الشيعي والتحدث باسمه , وهم لم يكتفوا بذلك، بل سلطوا عليه سيف سحب الثقة اذا فشل هذا الاصلاح المزعوم الذي تصدى له من خلال قائمته المختومة. ورئيس الوزراء استبق مثل هذا التهديد، حين خيّر الكتل السياسية والبرلمان بين رفض وقبول كابينته الجديدة.»
بلاك يرى أن» لطهران وواشنطن تأثيراً كبيراً جداً على الحكومة العراقية، والدولة العراقية بعد العام 2003، ولكلا الإدارتين رؤى مختلفة في العراق، وهذا ما ادخل الحكومة العراقية في خيارات صعبة للتو وفيق بين الاثنين؛ بسبب العداء التاريخي بينهم واختلاف التوجهات والمشاريع السياسية والاستراتيجية للطرفين، وبسبب أيضا أن العراق كان بلداً معادياً لكل من إيران وواشنطن، على الرغم من تنوع دواعي خلاف العراق معهما؛ لكون عراق ما قبل 2003 يمثل التحدي الأكبر في المنطقة للجمهورية الإيرانية، لاسيما وأن العراق بلد مجاور لها، فضلاً عن الاختلاف السياسي والاحتقان الطائفي الذي امتد بعد الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها.»
وأكد بلاك « هذا الحال ينطبق ايضاً بالنسبة للولايات المتحدة والإدارات الأميركية السابقة التي كانت ترى في العراق بأنه يمثل جزءاً من دول محور الشر في المنطقة، وتعده التهديد الأكبر على مصالحها وحلفائها العرب، فضلاً عن اختلاف الرؤية الأميركية مع النظام السياسي العراقي قبل عام 2003 لاسيما بعد احتلال الكويت، والسياسة القمعية والديكتاتورية التي كانت تحكم النظام السياسي العراقي قبل ذلك العام.»
واوضح بلاك ان « هذا العداء واختلاف الرؤى السياسية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران كانت له انعكاسات وتداعيات على الدولة العراقية برمتها منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا، وعلى ما يبدو أن هذا التأثير سيستمر؛ بسبب غياب المشروع الوطني الحقيقي للقوى السياسية العراقية في بناء الدولة، وفشلها المتكرر في إيجاد ذلك المشروع، وتزايد الانقسامات السياسية الداخلية، والضعف الذي تعاني منه تلك القوى في مواجهة الضغوط والتأثيرات الإقليمية والدولية، لاسيما ضغوط واشنطن وطهران والضغوط الإقليمية من الدول العربية. لأن الإرادة الإقليمية والدولية في العراق عادة ما تصدم فيما بينها؛ بسبب اختلاف الرؤى بين تلك الإرادات، واختلاف المشاريع والأهداف السياسية والاستراتيجية، وهذا ما جعل الدولة العراقية ساحة صراع بين تلك الإرادات. ويمكن حصر ذلك الصراع من خلال تصارع ثلاث إرادات دولية وإقليمية وهي الإرادة «الأميركية والعربية والإرادة الإيرانية».
بلاك اختتم حواره بالقول أن» هذا الفشل يعد ايضاً فشلا للولايات المتحدة الأميركية في العراق منذ احتلاله ولحد هذه اللحظة بسبب فشل إستراتيجيتها في العراق، وهو الوقت نفسه فشل ذريع للقوى السياسية العراقية التي غيبت ارادتها الوطنية أمام الإرادة الدولية والإقليمية، وعجزها عن المواءمة بين تلك الإرادات وكسب تأييدها.»

* عن صحيفة الـ « يواس أي تودي الأميركية»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة