الشاعر في زمن النفي والمحنة

معتز رشدي
رحلة قاربت الخمسين عاماً ، أختبرت فيها الكلمة أقسى اختبار، وأجمله بدءاً من ( الحقائب ) باكورة الشاعر، وليس انتهاء ب ( الفصول ليست اربعة ً) آخر ما صدر للشاعر. وبرغم طوافه في البلدان، مكرماً تارة، ومغضوباً عليه من سُلط النفي تارة أخرى، الا انه ظل وفياً لها – اي الكلمة – ، مشدوداً اليها، فهي سرُ بقائه حياً، معافى الروح، مُتقد الخيال. بها راود الشعر في القصيدة، ومنها أطل على قارئه، اطلالة
من يبث الحيرة الفاتنة الذكية في القلوب؛ كم من عذاب وعذوبة تحمل الكلمات في شعرك يا عبد الكريم؟ أنحني للجمل الذي فر به من سلطة الجلاد في بغداد؛ لولا هذا الحيوان الاسطوري، لكان مصيره، ربما، مصير مبدعين ومناضلين عراقيين آخرين، غُيبوا مرة واحدة، والى الأبد، في أعماق الوحش .اذاً؛ هي النجاة بالصدفة! هذا ملمح ساطع من ملامح قصيدته، تخلل، ويتخلل، فنه ونثره، مُضفياً عليهما (ليس
شعوراً بعبث الاشياء كما قد يتبادر للبعض)، بل شعور كريم بالتواضع أمام قوانين الحياة، وأمتناناً لهباتها الجمة، والتي قد تنقطع، فجأة ، لعارض– ما، من عوارض الحياة، نفسها !نجاة من هذا النوع، تكشف عن معدن الانسان فينا؛ فاللئيم، منا، بطبعه، يصير عابثاً، كافراً بكل شيء، ساخراً من كل شيء، أما الكريم، فيمد أواصر محبته الى كل ما يحيط به في رحلة العمر القصيرة، مهما طالت. ملمح آخر من ملامح شعره، ذكرتني به حادثة جرت للشاعر في تنكر– خزان– سيارة، فرت، به، هي الأخرى، وبآخرين من البصرة الى الكويت، اذ تم حشرهم، أجمعين، في بطنها المعدني الملتهب، وشاء حظُ شاعرنا ان يكون مكانه اسفل شخص آخر، سأل شاعرنا صاحبه: شلونك؟ فأجابه: وردة ! وانته عبد الكريم شلونك؟ فأجاب: مزهرية!
لا يُفوت البصريُ الفرصة لاضحاك كل من حوله، او لابهاجهم في اشد الظروف قسوة ولا إنسانية، اذ تحضر في بعض قصائده الضاجه باستذكار من غابوا، وغيبوا، هذه القهقهة الشفوق الطيبة، استذكاراً منه لطرائفهم، ربما، او لمحبة جمعته، بهم ذات يوم .ورث عبد الكريم، وطور، اجمل ما في شعرنا العراقي، اي الواقعية ببعديها الجمعي والفردي، المغرية في بساطتها الظاهرة، ولكن، الموارة الأعماق بدلالات ، ما ان تكشف عن وجه من وجوهها ، حتى تتخطفك الى دوائر سحرها، دلالة أخرى، ابعد غوراً .واقعية جد غنية ومتنوعة، في شعر بسيط معقد وعميق، شأنه شأن اي شعر كبير آخر؛ يجد ، فيه، بسطاء الناس ضالتهم، والمثقف، ثقافة عالية، ضالته.
منسجماً مع تقاليد شعرنا العريقةِ، مطوراً لها، بإرادة لا تعرف الكلل، ومحرضاً لنا، نحن الشعراء الشباب، على مواصلة طريق الفن الطويلة والشاقة .نعم ، يجد كل ذي قلب شيئاً وفيراً من صبوات روحه في شعر عبد الكريم؛ وهل أدل على ذلك، من ديوانه الكبير ( الزهيريات ) ، حيث حداثة المضمون من جهة، وتقليدية الشكل من جهة أخرى، والذي أنتقل، في تجربة الشاعر، من كونه شكلاً شعبياً شهيراً، الى شكل لا عهد لنا، نحن القراء، به! في سابقةٍ فنية خطيرة، وغير مأمونة العواقب، كُللت بنجاح كبير .
خاتمة:
لا شك في ان شعره ينتمي الى فضاء الشعر العالمي الكبير، ولكن، لا شك ، ايضاً ، في انه ينتمي، انتماء موجعاً، ولا رجعه عنه، الى جذوره العراقية الاولى، حيث بغداد والبصرة والكوفة والموصل، وحيث
قوافل لا عد لها، من صفوف النخيل وجثامين الاحبة، تنزف، عارية، في صحارى الله.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة