مقاطع شعرية تغزل ضفافاً للشعر على نهر الواقع

سلام مكي
محاولات التجديد في الشعر العراقي لم تتوقف، التطور في مجال كتابة النص الشعري، لم يقف عند شاعر معين، لكن طريقة ايصال الشعر الى المتلقي توقفت، منذ عدة سنين، اذ اننا نادرا ما نجد شاعرا او مؤسسة ثقافية، عنيت باكتشاف طرق جديدة لإيصال الشعر الى المتلقي بعيدا عن الطرق التقليدية، كالنشر في الصحف او اصدار الدواوين الشعرية او القراءات في اتحاد الادباء والمهرجانات. فكل هذه الطرق، تعني ان على المتلقي ان يأتي هو الى الشعر، في زمن تقهقرت الثقافة خصوصا الشعر، اذ تحولت الانظار الى انماط آخر، اكثر مساسا بشعوره وجوارحه، ولا تحتاج الى جهد ذهني من المتلقي للتأويل والتفسير والتفكير في مقاصد الشاعر وغاياته من كلامه. بيت الشعر العراقي قام مؤخرا، بنشاط ثقافي غير مسبوق، كان محاولة ناجحة في تغيير النمط المعتاد في تسويق الشعر الى المتلقي، عبر قيامه بطباعة بوسترات وصور تمزج بين الفن التشكيلي وبين الشعر، تتضمن مقاطع شعرية لمجموعة مهمة من الاسماء الشعرية العراقية كموفق محمد ومؤيد الراوي وخزعل الماجدي وعبد الرحمن طهمازي وعبد القادر الجنابي، وتعليق تلك اللافتات على عدة مقاهي في بغداد، في محاولة لمنح الجمهور فرصة الاطلاع على اهم التجارب الشعرية العراقية، وجعل الشعر لأول مرة هو الذي يأتي الى المتلقي وليس العكس. وما يجعل الأمل قائما في اعادة الروح الثقافية الى الجمهور واستعادة مجد الشعر عبر التعاون والاستعداد الدائم من قبل اصحاب تلك المقاهي وتفاعل روادها بشكل لافت مع تلك البوسترات اضافة الى البعد الفني لتصميمها، بحيث ان التصميم شكل لوحده نصا داخل نص، اذ ان المتلقي يقرأ نصين، الاول شعري والثاني فني. ان هذه الفعالية لبيت الشعر العراقي، احد ابتكاراته التي دأب عليها خلال المدة الماضية، من خلال الدخول الى عوالم جديدة لم يدخلها احد، فهو يحاول ان يقحم الشعر في العالم المزدحم والكئيب، ضمن واقع الانسان العراقي، الذي يعتمر قبة الهم، ويتوشح بالسواد على مدار السنة، حزنا على وطنه الذي يحتضر منذ مولده، ويتأرجح بين الموت والحياة. فالعراقي، لم يعد بحاجة الى حضور جلسات اتحاد الادباء ولا الذهاب الى المتنبي، لاقتناء الدواوين الشعرية، حتى يطلع على تجارب الشعراء، فهو سيقرأ نصا لموفق محمد او عبد القادر الجنابي، وهو في طريقه الى عمله، وفي جلوسه في المقهى، يقرأ نماذج مختارة، ربما تغريه لأن يطلب المزيد منها، ويقرر ان يذهب بنفسه اليها، خصوصا وان اختيار النصوص كان بعناية ودقة.فها هو الشعر يخرج من خزانة الاتحاد وجدرانه التي تأبى ان يتحرر صداه منها، الى فضاء، اكثر سعة، وجمهورا، الى فضاء يفترض انه المادة الخام التي خرج منها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة