الإصلاحات والرأي العام

سلام مكي
كاتب عراقي
برغم زخم الاحداث الامنية والسياسية التي يمر بها البلد هذه الايام، تبقى مسألة الاصلاحات الشغل الشاغل، لأغلب العراقيين، خصوصًا الذين اعتصموا امام الخضراء، والمتعاطفين معهم. الجموع المعتصمة قبل ايام، سرعان ما انهت اعتصامها، لمجرد انتهاء جلسة مجلس النواب التي شهدت اعلان رئيس الوزراء الكابينة الوزارية الجديدة، وطلب من مجلس النواب التصويت عليها، وقد قام الأخير بمنح اعضائه مدة محددة لغرض دراسة الاسماء المقترحة وتقديم توصيات بشأنها، بغية التصويت عليها، بنعم او لا. مما ولد شعوراً لدى المتلقي، ان مطالب المعتصمين تتمثل بتبديل الوجوه فقط، عبر اعفاء الاسماء الحالية التي يشغل بعضها منصباً في الحكومة منذ 2003 ولغاية اليوم، وجلب اسماء بديلة عنها، لا تنتمي لأية جهة حزبية او طائفية. وبرغم عدم معرفة المعتصمين ببعض الاسماء المرشحة الا انهم اعلنوا دعمهم الكامل لها، كما توعد زعيم التيار الصدري السيد مقتد الصدر النواب الذين يمتنعون عن التصويت باتخاذ اجراءات معينة بحقهم. وبمرور الايام، انشغلت بعض الفئات بشن حملة ضد بعض المرشحين، من خلال تشويه صورتهم امام الرأي العام، وبث اخبار كاذبة حولهم، او انشاء صفحات وهمية باسم المرشح على انه وزير للوزارة المرشح اليها، حتى ان بعض الصفحات، انشأت موقعا وهميا، وقامت بتركيب صور فوتوشوب بين الوزير السابق واللاحق، تظهر تسلم الوزارة من قبل الجديد! وهناك آخرون بحثوا عن تاريخ احد الوزراء، ليبحثوا على فضيحة او هفوة، ليؤكدوا على عدم اهليتهم للمنصب. وهناك من اكتفى بالترقب وانتظار المهلة التي حددها رئيس البرلمان للنواب وانتظار نتيجة جلسة التصويت على التعديل الوزاري، ثم انتظار ما يحدد من اجراء فيما بعد. في حين ثمة امور مهمة، يجب القيام بها اولا، ثم اتخاذ موقف معين من التعديل الوزاري، فليس من المعقول التأييد المطلق للأسماء ولا رفضها رفضاً قاطعًا، بل ثمة مقاييس ومحددات معينة يفترض على القائم بالتعديل اولا ثم النخب السياسية التي تؤمن بالتغيير والاصلاح ان يخلقوا مزاجاً عاماً، للتعريف بالمرشحين، اولا، ثم تكوين رأي عام فيما بعد، رأي يؤيد او يعترض او يتحفظ على بعض الاسماء، لا ان يوافق عليهم جزافاً. ثم ان الخلل كبير، والمشكلة التي تتعلق بالوضع السياسي والعملية السياسية لا يمكن حلها عبر تغيير الوجوه فقط، بل ثمة آليات واشتغالات يجب القيام بها اولا، ثم بعد ذلك يتم التهيئة للإصلاح. ثم ليس بالضرورة ان يتفق الجميع على موقف معين او يختلفوا، فربما هناك فئات تتفق وفئات تختلف، حسب القناعات والتفكير. فيجب ان يكون الاصلاح بمستوى الخلل، اذ لا يمكن ان تتخذ اجراء صغيراً بحق ظاهرة كبيرة، فهنا لا معنى لأي اجراء ما لم يكن بمستوى الحدث او الظاهرة، فالمشكلة كبيرة ومعقدة، وهي نتاج تراكم عقد كامل من الزمن واكثر، واخطاء فادحة تسببت بها احزاب وكتل واشخاص وفئات، وقوانين، لا يمكن ان تحل عبر تغيير اسماء فقط، حتى لو كانت الاسماء الجديدة، تمثل الشخص المناسب في المكان المناسب، حتى لو كانوا افضل من السابقين، اذ المشكلة اكبر من ذلك بكثير. نحتاج الى عقلية سياسية خاصة، تشخص العلاج بنحو دقيق، ثم تضع له حلولا واقعية، لا تقفز على الواقع، حتى لو كانت الاستجابة والنتائج بطيئة، فهذا افضل من علاج آني، له مفعول المهدئات فقط. كما يجب على المواطنين، خصوصاً المعتصمين ان يعو ان الاسماء التي فرحوا بتغييرها، هم شاركوا ولو جزئياً بوصولها الى الحكم، وبقائها سنين طويلة في سلطة القرار، و لا نعلم ربما يعاد انتخابهم مجددًا، فعليهم ان يدركوا ان تغيير تلك الاسماء كان يمكن ان يتحقق قبل سنين عبر الانتخابات، وبأيديهم هم. على المواطن العراقي ان يدرك ان موافقة البرلمان على الاسماء المرشحة لا يعني حل كل مشكلاته، بل ثمة امور آخر، لابد من اتخاذها وهذه الخطوة ما هي الا بداية الطريق. وبرغم كل ما قيل، تبقى مسألة قبول المرشحين او بعضهم، مطلباً شعبياً له مبرراته، حتى لو لم يكن قائما على اسس واقعية، فتجربتهم المريرة مع الاسماء الموجودة حالياً في الوزرات، جعلتهم يتصورون ان أي اسم يحل محلهم سيكون افضل منهم حتماً. ومهما يكن، فتكون الرأي العام حول قضية معينة لابد ان يكون مستنداً الى دراسات واسس ثقافية، لا عن مزاج شخصي وتصور ربما لا يكون صحيحًا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة