معاناة الأنثى في زمن التوحّش البشري في فن روناك عزيز

كوردستان ـ جوتيار تمر:
من خلال اعمالها، لاتتوقف روناك عزيز عند جغرافية او حدود مدرسة تشكيلية فنية، فهي باسلوبها الخاص تمزج بين الكثير من المذاهب والمدارس التشكيلية الاكاديمية كالتعبيرية والسوريالية ولربما في احيان كثيرة التعبيرية التجريدية وكأنها لاتريد ان تقيد روحها بمنهجية محددة كي تبقى تحلق في الافق بحرية.. وترسم من خلال التقاطاتها لتحول انفعالاتها ومشاعر ها النابعة من صميم حراكها الذاتي الى لوحات ناطقة، وهذه الانفعالات والمشاعر على اختلاف انواعها ومستوياتها، تشي بنوع من الاحتدامات التي قد لاتظهر بصور مباشرة او حتى اثناء بدايات الرسم، انما تتخذ من نفسها ايقونة ضمنية يمكن للمشاهد المتابع ان يلامسها ضمنياً او انها تظهر من خلال نهايات العمل..مما يعطي انطباعا حول ماهية الانفعال والقلق المرافق له، وهذا بالتالي يجعلنا نعيش وقع العمل على انه تعبيري منوط بالكثير من الايحاءات والدلالات الظاهرة والمضمرة التي تساهم في توسيع رقعة العمل وتخرجه من الذاتية الى العالمية باعتبارها تنم عن تفاعلية واضحة مع القضايا الانسانية والاجتماعية التي تربط الذات بعوالمها الخارجية.
ومن يتابع اعمال روناك، سيجد بين تفاصيلها وخطوطها الحرفية تلك السمة ذات النزعة الذاتية المعبرة عن عوالمها الجوانية المتربطة ارتباطاً وثيقاً بالعوالم البرانية / الخارجية لاسيما تلك التي تتعلق بالقضايا الانسانية بشقيها الانتمائي التي تحمل في ضمنياتها بعض الرؤى الناطقة عن حنينها للحياة البسيطة الهادئة التي تضم بين جنباتها القيم النابعة من حياة القرية والفلاحة بحيث نلاحظ مدى استعانتها وتحفيزها للذاكرة وبالتالي تحويل تلك الصور الملتقطة الى خطوط تشكيلية ذات معنى انفعالي تصويري نابع من الواقع نفسه وناقل لهمومه، حتى وان اكتنفه الرمزية، وفي الوقت نفسه لوحات تؤكد مدى تفاعلها مع قضايا شعبها كلوحة « كوباني» التي ارادات روناك من خلالها ان تظهر الدور الذي قامت نساء كوباني في الدفاع عن المدينة وصد الارهاب، وهذا الحس الانفعالي التصويري الانتمائي وجدناه يتصاعد بوتيرة واضحة في اعمالها الاخيرة، لاسيما التي تتحدث بعمق عن معاناة النساء في ظل هذا التوحش البشري وتنامي الارهاب في جميع اصقاع الارض، لذا نجدها تعود لترسم معاناة النساء والفتيات الايرذديات تحت سوط الارهاب الداعشي كما في لوحة « نساء من سنجار «، و « نساء في قبضة الاٍرهاب» ، وهي لوحات تبرز فيها عمق الفزع والهلع الحاصل جراء هذا المد الهمجي التي استهدف النساء، ولعل ما يميزها كونها تنم عن مجاميع نسائية مكونة اغلبها من خلال ثلاث نساء وهذا ما يثير التساؤل في بعده التجريدي التعبيري، عن الغرضية او الاسلوبية التي تعتمدها روناك في اعمالها، ومع ذلك فانها في اغلب لوحاتها لاتبتعد عن مدها الانساني وتلاحمها مع قضايا الانسان محاولة ان تمنطق ماهية تحرر الذات من خلال توقها الى الحرية. ولروناك اعمال اخرى ذات ابعاد فكرية وقضايا تهم العالم لاسيما العالم الانثوي.. لتصبح بالتالي انتاجاً سيميائياً مشتركاً بين ذات الرسامة والواقع عبر علائقية متشابكة للمحيط ، والذي يأخذ اشكالاً ومساحات لونية معبرة بوضوح احياناً وفي احيان اخرى بنوع من الترميز المبهم المستفز لذهنية المتابع وذلك عبر رسم لوحات تحمل مضامين تنتمي الى الواقع بكل تمفصلاته لكنها لاتحمل عناوين واضحة ومباشرة .
وروناك بثقافتها من حيث انتمائها الكوردي وثقافتها المنوعة النابعة من موطنها الاصلي وتمازجها وتناميها الاغترابي، تعيش هالة من الرؤى التي تحتل لاوعيها بحيث نلامس بروزها كتشكيلات متحركة في اعمالها، لاسيما حين تسعى لترميم بعض الشروخ التي احدثتها الازمنة المتوالية والتي اجبرتها على الانصياع لمنطقها سواء من حيث الابتعاد عن موطنها، او حتى المشاعر التي تخالجها جراء مشاهدتها الخراب الذي يعم كل العالم، ويهدد الانسانية اجمع، مما شكل ذلك هاجساً متقداً ومحركاً للكثير من الانفعالات والمشاعر لدى روناك، لتظهر وبشكل تناسبي وواضح في الكثير من اعمالها..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة