كن حراً..

في مجتمعات تفوق سكانها على أهل الكهف في سباتهم، ليس غريباً ان تتقافز على تضاريسهم كل هذه الهلوسات والهذيانات والاغتراب عن حاجات وهموم عالم حولته الحركة المضطردة والثورات المتسارعة الى قرية يعمر فيها ما يعرف اليوم بـ (المواطن الكوكبي) الذي شقت الطريق اليه قاطرة الثورة الفرنسية الظافرة في العام 1789 عبر المعنى الجديد للحياة الذي اهدته لعيال الله بعد مشوار طويل ومرير من الهمجية والعبودية والظلام.
أما سكان أقدم مستوطنة في التاريخ، وبعد ان عجزوا تماماً عن الانعتاق من الهيمنة المطلقة لآخر “أحزاب” الرسائل الخالدة، فقد ولجوا الى طور من الغرائبية بعد لحظة الفتح الديمقراطي المبين ربيع العام 2003 يعجز عن فك طلاسمه المغفور له سلفادور دالي بجلال قدر ريشته الجسورة. بمحض ان لاح شبح تلك الدبابة اليتيمة على ظهر احد جسور بغداد، حتى خلت العاصمة بغداد والمدن العراقية الاخرى من كل ما يمت بصلة لتلك الغدة السرطانية ومجساتها الاخطبوطية التي سممت كل تفاصيل الحياة في هذا الوطن المنكوب. لم يمر وقت طويل على تبخر “جمهورية الخوف” حتى برزت ملامح المرحلة المقبلة، عبر نوع من التواصل اللاشعوري مع ارث القوافل الظافرة، حيث برز ما يعرف بـ (الحواسم) وهم المخلوقات الأكثر رشاقة وشراهة وجرأة على نهش اسلاب الغنيمة الازلية واعادة تقسيم ما تبقى من موارد وثروات البلد المادية والمعنوية، بوصفها اموالاً سائبة تبيحها لهم منظومة قيم “الفرهود” ومدارسه الفقهية العتيدة. هكذا تم التعاطي مع ما كان يفترض ان يكون منعطفاً للتعرف الى عالم الحرية والعيش كباقي الامم التي أكرمتها الأقدار بفرصة الانتساب لنادي الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري لا الشرعي.
ان تكون حراً، يعني ان تعرف نفسك وما يحيط بك، ومثل هذا الوعي هو الشرط الوحيد والاساس للحرية، وهو عسير ومؤلم لمن أدمن على اجترار قات العبودية ومتطلباتها من الخنوع للطغاة والعقائد النافقة وفرمانات الاستبداد بمختلف واجهاتها الديماغوجية. مثل هذا الوعي غريب عن مضاربنا المثقلة بقيم وتقاليد السبات الجليل، وخير دليل على ذلك هو الفشل والخيبات المتواصلة لنا ولجميع المنتسبين لنادي “خير امة” ولقد توجنا هذه الحقيقة بدقلتنا الاخيرة، أو ما عرف بـ “ربيع العرب” عندما اهدينا العالم نسختنا من الدمار الشامل على الولايات السابقة لبني امية وبني العباس في العراق والشام. ان تكون حراً يعني ان تكون شجاعاً لا نزقاً ومتهوراً، لان ذلك هو الوجه الآخر للجبن وعدم الاستعداد لمواجهة الفواتير المتراكمة عبر المزيد من فزعات الهروب للأمام. علينا مواجهة الملامح البشعة لما آل اليه حالنا في العقود الأخيرة، والاقرار اولاً بجسامة الخسائر الهائلة التي تعرضنا اليها وخاصة في المجال الأشد فتكاً العقل والضمير، بعد ذلك يمكن رصف خارطة الاولويات الواقعية لتغيير حالنا واصلاح هذا الكم المتلاطم من كثبان الخراب ومستنقعات الركود. لا نحتاج الى المزيد من العنتريات لانها ستقصم ظهرنا المنحني اصلاً، في وقت نحن بأمس الحاجة الى التواضع والابتعاد عن كل ما له صلة بمنظومة “اهتزاز الشوارب” وهوسات الدمار الشامل..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة