نحن – العرب والمسلمون – مرضى بالمرض الأدهى.. «سرطان الروح»

الشاعر اللبناني صلاح ستيتية: أنا رجل موجود من أجل الحوار
حوار – أوراس زيباوي
ينتمي الشاعر والباحث باللغة الفرنسية، اللبناني صلاح ستيتية، المقيم منذ عقود في فرنسا، والذي عمل في السلك الدبلوماسي لسنوات طويلة، إلى تلك الفئة من المثقَّفين والكتّاب الذين يمثِّلون، في الخارج، الوجه المشرق لبلدانهم الأصلية، وجسر تواصل وحوار بين الشرق والغرب، في ما وراء الثقافات والجنسيات والأديان المختلفة.
ستيتية غزير الإنتاج، له كتب كثيرة في الشعر والبحث، آخر إصداراته (رابعة النار والدموع)، وهو ترجمة لنصوص رابعة العدوية مع مقدمة طويلة لها. قبل هذا الإصدار، نشر مذكِّراته تحت عنوان (حفلة جنون)، وتحتوي على سيرته الذاتية بين لبنان وفرنسا، وهي سيرة تلامس الذات والعامّ، وتختصر جوانب مهمّة من الحياة السياسية والحياة الثقافية للبلدين، بين منتصف القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، وعنها كانت بداية الحديث:
تحت عنوان (حفلة جنون)، صدرت مذكِّراتك عن دار (روبير لافون)، في باريس، وقد استعرضت فيها المحطّات الأساسية في حياتك، منذ ولادتك في بيروت عام 1929، حتى اليوم. كذلك، بيّنتَ في الكتاب علاقتك بالثقافة الفرنسية، وهي علاقة بدأت منذ دراستك في بيروت. كيف نشأت هذه العلاقة؟ ولماذا اخترت الكتابة بالفرنسية؟
– مذكِّراتي التي حازت على نجاح كبير في فرنسا، وحصلت على جائزة (سان سيمون) العريقة، تصدر ترجمتها العربية قريباً، في بيروت. أما لماذا كتبت نتاجي كلّه باللغة الفرنسية، حتى عندما أتحدَّث عن العالم العربي، وأنا من وُلِد في كنف عائلة مسلمة في بيروت، أقول لِمَ لا؟ ما يجمع بين رجل ولغة كالذي يجمع بين رجل وامرأة: علاقة حبّ. أنا لا أتفحّص أبداً بطاقة هويّة امرأة قبل أن أهيم حبّاً بها. هكذا الأمر بالنسبة إليّ.

عملت لسنين طويلة في السلك الدبلوماسي، وكنت سفيراً لبلدك لبنان في عدد من الدول، ومنها هولندا والمغرب؛ مما أتاح لك اللقاء بالعديد من الرؤساء والسياسيين والكتّاب والشعراء والفنّانين. هل كان لعملك سفيراً أثر على نتاجك الشعري، ونتاجك الأدبي، عموماً؟
– فتحت لي الدبلوماسية الباب واسعاً على ثقافة الآخرين. أحببت الآخرين وثقافتهم، ومازلت كذلك. الآخر يغنيني باختلافه. أنا رجل موجود من أجل الحوار. في غياب الحوار، لا يعود الإنسان سوى جدار مقابل جدران أخرى، تلك الجدران الكئيبة التي تستهوي إسرائيل.

كيف عشت على المستوى الشخصي، بصفتك شاعراً ومثقّفاً عربياً ومسلماً مقيماً في فرنسا، الاعتداءات التي حصلت في باريس، العام الماضي؟
– أنا مقيم في فرنسا منذ حوالي ستّين عاماً؛ أي منذ سنواتي الدراسية. نتاجي الأدبي الذي بدأته في بيروت، في الخمسينيات من القرن الماضي، كتبته باللغة الفرنسية. ويتألَّف، حتى الآن، من أكثر من ستّين كتاباً، يتطرّق بعضها مباشرةً إلى القضايا: السياسية والاجتماعية والمسائل: الثقافية، والروحية، للعالم الذي نشأت فيه وأقصد به العالم العربي. وقد عملت، أنا والكتّاب العرب الذين ينتمون إلى الجيل نفسه، على تحليل واقع ذلك العالم من أجل مساعدته على الخروج من حال الانغلاق، والدخول في الحداثة العالمية القائمة على الحوار بين الثقافات.

حَكَم العالم العربي حكّام لا يعيرون، في الغالب، اهتماماً للأخلاق، وليسوا أكفاء كما ينبغي، لا سياسياً ولا اقتصادياً. وعلى الرغم من ذلك، كان العالم العربي يحفل بشبيبة مثقّفة، طموحة، مصمّمة على الخروج من ماض متخلِّف، أصبح- بالنسبة إليها- غير قابل للعيش، ولا يُحتمل. هذه الشبيبة كانت ترغب في أن يكون لها موقع في الزمن الراهن، هي التي ورثت ماضياً عريقاً، له أثر ثقافي واسع، سواء في حركة التقدُّم التقني أو في معنى التاريخ نفسه. من هنا، كان الدافع للتغيّر وبلوغ منحى ديموقراطي ومشاركة فعليّة في القرارات المهمّة التي تعني كلّ شعب من الشعوب العربية على حدة، ووضع هذه الشعوب على طريق المستقبل. وهذا ما شهدت عليه، بطريقة بيّنة، الثورات التي عُرِفت بـ «الربيع العربي». لكنها ثورات تعرَّضت هنا وهناك، وبسرعة، إلى الهتك والذبول، أو كما حدث في سورية، حيث قُمِعت بالنار والدم، وهدّد قواها الحيّة عدوّ خارجي يدّعي الدفاع عن إيمانها، بينما هو، في رأي العالم أجمع، عدوّ الإنسانية، وأقصد بهذا العدوّ تنظيم داعش. نحن- العرب والمسلمين- مرضى بهذا المرض الرهيب، المرض الأدهى؛ ألا وهو «سرطان الروح».

يُعيب البعض على أبناء الجاليات: العربية، والمسلمة عدم انخراطهم في الحياة السياسية الفرنسية، وعدم قدرتهم على تشكيل تَجَمُّع فاعل قادر على التأثير على الرأي العام الفرنسي وعلى القرارات السياسية، ما رأيك؟
– هناك فرنسيون من أصول عربية موجودون في البرلمان الفرنسي، وهناك وزراء مهمّون من أصول عربية، تقلّدوا، مناصب مهمّة، ومايزالون يتقلّدونها، و هناك رجال ونساء متحدِّرين من أصول عربية في الحياة الاقتصادية: منهم- على سبيل المثال- رئيس شركة «رونو» للسيارات، وهو من أصل لبناني، وكذلك أحد مدراء شركة «لاغاردير» العالمية الكبيرة، وهو من أصل جزائري، وهما مثالان لمئات الأمثلة في هذا المجال. أخبريني: في أيّ بلد من بلداننا يوجد مسؤول واحد رفيع المستوى، من أصل فرنسي؟ العرب الذين يمتلكون مواهب وشهادات عليا، ويريدون العمل، يستطيعون ذلك في فرنسا، اليوم، بسهولة أكبر مما هو الحال في بلدانهم الأصلية. أخبريني: ما هي الدول: العربية، والإسلامية، التي توفّر الحقوق ذاتها لمواطنيها، في بلدانهم الأصلية؟

ما كتبته في أشعارك الأخيرة يشبه الوصيّة، وصيّة إلى الكائنات الحيّة كلّها: بشر، ونباتات، وأزهار. ماذا أردتَ أن تقول فعلاً؟ هل أنت خائف، إلى هذا الحدّ، على مصير الإنسانية، من المخاطر التي تتهدّدها؟
– معك حقّ. الإنسانية التي طالما أحببتها، تبدو لي- أحياناً- على طريق الانحلال والتفكُّك. وأحياناً أخرى، أُعوّل على التقدُّم العلمي الرائع الذي أُعجَب به أيّما إعجاب، وأرجو أن ينجح في مدّ إنسان المستقبل بهذا «الملحق الروحي» الذي تحدَّث عنه الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون، والذي نحن في أشدّ الحاجة إليه. في انتظار اللحظة المرجوّة، أجد نفسي أتعهّد بكنزي الأثمن؛ أي الروح الضرورية التي أتحدَّث عنها، إلى ما لا يزال يشكّل إشارة إليها، وما يطالعني في حديقتي، من خلال الشجرة والوردة والنحلة والأزهار والقمر الحالم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة