الأخبار العاجلة

عيييييييييييب

سوريا ـ عمران عز الدين:
« فلتتوقف الكرة الأرضية عن الدوران، لأنزل»..
هنري ميشو
استقر المقام بالأنبياء الثلاثة بعد تجوالٍ طويلٍ ومرهقٍ تحت فيءِ شجرةٍ، وبعد أن نالوا قسطاً من الرّاحة تحدثوا دون سابقِ تخطيطٍ:
النبي الأول: تفاحة للخطيئة.
النبي الثاني: وأخرى للجاذبية.
النبي الثالث: وثالثة للأكل!
النبي الأول: السر ليس في شكل التفاحة
النبي الثاني: ولا في مضمونها.
النبي الثالث: وليس في لكنة جدنا آدم
ردد الصدى: أو في لكنة حفيده نيوتن.
وردد الصدى ثانيةً: مات آدم، ماااااات نيوتن.
وردد الصدى ثالثةً: مات أرخميدس
النبي الأول: وبقيت الشجرة
النبي الثاني: وبقيت التفاحة
النبي الثالث: وضاع السر رويداً رويداً!.

2 ـ
هسسسسسسسسسس
جدتي تشاهد نشرة الأخبار على قناة العربية
………..
تنتهي النشرة، فتتنهد وتقول :
(إن سوريا رجعت لورا شي خمسين سنة) .
تسعل جدتي التي أشبهها بـ «أورسولا» ماركيز، ثمّ تسحب سيجارة من علبة دخاني، أشعلها لها، وتضيف من بين تلك السعلات،وهي ترتشف قهوتها الصباحيّة :
( العصملي فل وبقت سوريا، الفرنساوي فل وبقت سوريا، أبوك اللي كان يشتغل في السياسة مات وبقت سوريا ).
أبتسم، وأقول لها :
أنتِ تاريخ يا جدتي، وتذكرينني بماركيز.
تعض بتحدٍ على عقب سيجارتها،وتنفث دخانها يميناً وشمالاً ثمّ تقول :
فشر بالتاريخ وكاريز تبعك .
3 ـ
أخيراً.. وبعد طولِ انتظارٍ، رُزِقَ زعيم الغابة بشبلٍ ذي رقبة كرقبة الزرافة وعينين موغلتين في الازرقاق!، فأقيمت الحفلات والدّبكات، واخترقت الزغاريد، ناهيك عن الأعيرة النارية، عِنان السّماء. خرج كلّ من في الغابة، بكلّ الوانها وسكانها، في مسيرةٍ واحدةٍ، واجتمعوا في السّاحة العامة، ثمّ عُزِفَ النّشيد الوطنيّ، وأطلق المدفع إحدى وعشرين طلقة احتفاءً بالخبر البهيج!.
عند انتهاء المراسيم، والطّقوس الاحتفالية، دعا الزّعيم المنتشي وزراءه إلى اجتماعٍ عاجلٍ، وبسرعة البرق، كان الوزراء يمثلون أمام الزّعيم، فطلب هذا الأخير منهم أن يلقوا نظرةً على شبله الصغير، ليدلي بعد ذلك كلّ منهم بدلوه وانطباعه !
عاد الوزراء، والبسمة تغمر صفحات وجوههم، وهم يهلّلون تارةّ، ويسبحون بحمد الله تارةً أخرى، ثمّ اصطفوا في أماكنهم المخصّصة، وبادر الزعيم الوزير الأول قائلاً :
قل لي يا وزير… كيف وجدت شبلي الصغير ؟
وطنيٌ غيورٌ ما شاء الله، وسيكون له، بعد أن يشتدَّ عوده، شأنٌ كبيرٌ وأنيابٌ فتاكةٌ، ليقضمَ عندئذٍ الأخضر واليابس على حدٍّ سواء !
ثمّ وجّه الزّعيم السّؤال ذاته لوزير آخر، فأجاب :
يمتلك نظرةً ثاقبةً، وقدرةً عجيبةً على تحليل الأمور، وقد تلمّستُ ذلك فور دخولنا إلى مخدعه، إذ توقف عن البكاء، وتفرس في وجوهنا ملياً !.
قبل أن يوجه سؤاله إلى الوزير الأخير، ردَّ بدوره قائلاً :
عاش الزعيم الصّغير، عاش الزعيم الصّغير !
أممممم… حسناً يا مجلسي الموقر، الرّأي رأيكم، وبارك الله بكم، فمن حسنات الشّورى، أن نستقرَ على رأيٍ سديدٍ مُعينٍ، يُرضي الجميع، لأنّني تعودتُ كما تعلمون ألا أنفردَ برأيي، ثمّ زمجر قائلاً:
عاش الزّعيم الصّغير.
وردّدَ الوزراء النشيد المستقبلي وراءهُ بصوتٍ واحدٍ :
عاش.. عاااش.. عااااااش .
4 ـ
تستوقفك عصابة مسلحة في الشارع، وبأعصاب باردة يزعق زعيمها:
شخلل… !
وقبل أن تحتج، أو تفكر في مقاومتها، يلزمك نداء داخلي هامس، أن شخلل، وأعطهم ما يريدون، معللاً السبب:
كاتب محترم أنت.. وهؤلاء عبارة عن مرتزقة. وبحدة هذه المرة:
عيييييب… !
في شارع آخر، يستوقفك ضابط، ثم يقودك إلى المخفر، ويشرع في استجوابك:
لماذا لا تمسح الشعارات المكتوبة على حيطان حارتك، وأنت تعلم تماماً، انها شعارات مغرضة، تمس شخص الرئيس، وتوهن عزيمة الأمة ؟
النداء الهامس ذاته يجعلك تعدل عن إجابتك، التي ادخرتها، ليوم كهذا:
أنت كاتب محترم… وهذا رجل سلطة.. تافه بكلّ المقاييس، ولن يفهم ما ستقول، وبحدة أيضاً:
عيييييب… !
مطأطئ الرأس، تدلي بما يريد منك قوله، ثم توقع على محضر، تتعهد فيه، بالتطوع، لمسح الشعارات المكتوبة على حيطان حارتك، وحيطان الحارات المجاورة.
تحب… وتخفق، وهذه قصة أخرى !
وهكذا…
تهان من أجل رغيف، وتبكي بصمت. تهان في الحافلة، وتبكي بصمت. تهان في العمل، وتبكي بصمت. تهان في المقهى، وتبكي بصمت. تهان في الشارع، وتبكي بصمت.
تهان وأنت غاد، وتبكي بصمت. تهان وأنت رائح، وتبكي بصمت. تهان وأنت تلقي نظرة على السجن المركزي، وتبكي بصمت. تهان لأنك أصبحت رقماً، وتبكي بصمت. تهان وأنت وطني، وتبكي بصمت. تهان وأنت جبان، وتبكي بصمت. تهان وأنت شجاع، وتبكي بصمت. تهان وأنت ملحد، وتبكي بصمت. تهان وأنت مؤمن، وتبكي بصمت.
تهان لأنك أحببت، وتبكي بصمت، وتهان لأنك لم تظفر بمن أحببتها، وتبكي بصمت. تهان لأن الأقوى نفوذاً سلبها منك، وتبكي بصمت.
كلّ هذا، وذلك النداء الداخلي… الهامس… المحترم لا يكف عن القول:
عيييييب… !. أنت كاتب محترم.
أيها النداء الجبان:
كنتُ كاتباً.. وجعلتَ مني حائطاً.
5 ـ

كان نُباحاً
لا…كان عِواءً
لا لا… بل كان زَئيراً
وهجعَتْ مذعورة كلّ الكائنات.
وقبل أنْ يتوارى ثانيةً
ابتسمَ الشّرغوف الصّغير :
كنتُ أتدربُ على النقيق !.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة