الأخبار العاجلة

روكي دالتون شاعر السلفادور الأول حضور في الوجدان

الشعر قاده الى الثورة.. فدفع حياته ثمناً
متابعة الصباح الجديد:
يقول المغني الكوبي الشهير سيلفيو رودريغيث في إحدى أشهر أغنياته التي أهداها إلى صديقه الشاعر السلفادوري الثوري الرومانسي روكي دالتون الذي كان قد تعرف عليه وعايشه في هافانا أيام كان دالتون منفيا هناك:
لست أدري هل أوجعته الطلقة
التي أردته قتيلا،
لكني أعرف أن قاتله
كان يموت وهو يقتله.

بهذه الكلمات الرقيقة خلد المغني الكوبي شاعر السلفادور الأول. ولد روكي دالتون بسان سلفادور سنة 1935، وتابع تعليمه الابتدائي والثانوي بمسقط رأسه، قبل أن يشد الرحال إلى سانتياغو حيث سيلتحق سنة 1953 بكلية الحقوق بجامعة الشيلي، وإن كان سيغادرها فيما بعد إلى سان سلفادور لإتمام دراساته الجامعية، فقد تلقى دراساته الجامعية في الشيلي والسلفادور والمكسيك. وفي سنة 1957 زار صحبة طلبة آخرين من السلفادور الاتحاد السوفياتي للمشاركة في المهرجان العالمي السادس للشباب والطلبة حيث تعرف هناك على العديد من المثقفين والسياسيين الذين سيكون لهم شأن كبير في مجال السياسة والأدب العالميين، مثل كارلوس فونسيكا السياسي النيكاراغوي الشهير، مؤسس الجبهة الساندينية للتحرير الوطني، والكاتب الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1967، والشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان والشاعر التركي ناظم حكمت، وكان آنذاك يعتبر من أهم الأصوات الشعرية في السلفادور، إذ كان قد بادر رفقة شاعر غواتيمالي منفي بالسلفادور إلى تأسيس حلقة أدبية جامعية ستضم شعراء أساسيين في المشهد الشعري السلفادوري مثل مانليو أرغيتا وخوسيه روبيرطو ثيا وروبيرطو أرميخو وتيرسو كاناليس وآخرين الذين أطلق على جيلهم الجيل الشعري الملتزم.
تعرض روكي دالتون للاعتقال والنفي، فعاش إقامات مطولة في المنفى بكل من غواتيمالا وكوبا وتشيكوسلوفاكيا والمكسيك. بعد سنوات المنفى عاد الشاعر إلى وطنه والتحق بالجيش الثوري للشعب، الجناح العسكري لحركة الثوار السلفادوريين الذي كان يخوض حرب عصابات ضد الديكتاتورية في السلفادور، وهناك سيتم إعدامه وبدون محاكمة من طرف رفاقه سنة 1975 عن عمر يناهز 39 سنة، بتهمة كونه عنصرا مدسوسا متعاونا مع المخابرات المركزية الأمريكية بناء على شكوك ثبت بأنها خاطئة، وسيتم رد الاعتبار له كأحد أهم الأدباء الثوار في بلده السلفادور وفي دول أمريكا اللاتينية قاطبة، إذ أصبح شاعر السلفادور الأول والأكثر شعبية بين الناس، كما غدا شعره يدرس للأطفال في المقررات الدراسية ويتغنى به البسطاء من أبناء شعبه في كل حين.
ترجمت قصائده إلى العديد من اللغات وأنجزت حوله العديد من الدراسات، وكان من قبل قد نال جائزة كاسا دي لاس أميريكاس سنة 1969، من أهم أعماله الشعرية: النافذة في الوجه 1962، دوْرُ المُهَان 1962، البحر، تنويعات 1962، الشهادات 1964، خمارة وأماكن أخرى 1969، قصائد سرية 1980، كتابٌ مقيتٌ قليلا 1988، كتابٌ أحمرُ لأجل لينين ، قصائد أخيرة 2005.
لقد كان عبور هذا الشاعر الكبير رغم إقامته القصيرة في العالم عميقا لأنه خلف قصائد رائعة، ونظرا لفاجعة اغتياله بطريقة بشعة ولا إنسانية كان من الطبيعي أيضا أن يلقى من أصدقائه مراثي تطفح بالحب والتقدير لروح الإنسان فيه ومن بين الشهادات ما كتبه صديقه الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان:
«أحيانا أفكر أنك شبيه بفارس أريوستو ذاك الذي جندلوه بجراح قاتلة في نزال، ولم ينتبه إلى أنه قد مات واستمر يقاتل. لما أطلق القاتل رصاصته من المؤكد أن امرأة لا تنطفئ قد أدخلت السلوى على قلبك، ثنية صيف، لغز فقر بلا نهاية. هربت دوما من الإعدامات رميا بالرصاص، من الموت بالخطإ، وكتبت في أحشاء الليل».
أو تلك التي قالها عنه خوليو كورتاثار:
«الحديث مع روكي دالتون كان مماثلا للحياة بشكل أكثر كثافة، مماثلا للحياة مرتين. لربما لا أحد من أصدقائه سينسى الحكايات الأسطورية لأسلافه، الرؤية المدهشة للقرصان دالتون، مغامرات أفراد أسرته؛ وأحيانا أخرى، ودون أدنى رغبة لكن مضطرا للدفاع عن وجهة نظرٍ ما، عن ذكريات السجون والموت المتسكع، وعن الهروب مع الفجر، عن المنافي وعن اللفات، أسطورة المحارب والمسيرة الطويلة للمناضل».
وهذه شهادة أخرى لشاعر جرب مثل دالتون الانتماء السياسي والمنفى، الشاعر الأوروغوايي ماريو بينيديتي يقول: «إنه ليس فقط واحدا من أكثر شعراء أمريكا اللاتينية حيوية وحركية بل إنه أحد الشعراء الذين عرفوا جيدا تصريف الالتزام السياسي مع الصرامة الفنية».
وفي الختام نورد هذه الكلمة لدالتون والتي تلخص بإيجاز مساره في الحياة يقول:
«لقد أتيت إلى الثورة عن طريق الشعر».
من قصيدته (المجانين) يقول دالتون:

نحن المجانين لا تلائمنا الأسماء
الكائنات الأخرى
تحْمِلُ أسماءها مثل بدلات جديدة
تطبعها على بطاقاتٍ صغيرةٍ بيضاءَ
تنتقلُ بعدئذ من يدٍ إلى يدٍ
ببهجةِ الأشياءِ البَسيطةِ.

ويا لهُ منْ فرَحٍ يبدو على المُسَمَّيْنَ ألفْرِيدُو وأنطونيو
والمَسَاكين خْوَانات والمسمين سيرخيو الصامتين
وأليخاندرو مع رائحة البحر!
كلهم يمددون من حناجرهم ذاتها التي تغني
أسماءهم التي يُحسدون عليها مثل بيارق حربية،
أسماؤك التي تبقى على الأرض رنانة
رغم أنهم يمضون إلى الظل صحبة عظامهم.

لكن المجانين، آه يا سيدي، نحن المجانين
الذين من فرط النسيان نختنق،
المجانين المساكين الذين تختلط علينا حتى الضحكة،
والذين يملأنا الفرح بفيض من الدموع،
كيف لنا أن نمضي ونحن نجتر الأسماء من خلفنا،
ونحْنُ نُحِيطُهَا بِالعِنَايَةِ،
ونُشَذِّبُهَا مِثْلَ حَيَواناتٍ فِضِّيَّةٍ صُغْرَى،
ونَحْنُ نَرَى بعُيُونِنا هذِهِ أنَّهُ ولا حَتَّى الحُلمُ يَفْرِضُ
ألا تضيعَ في الغُبارِ الذي يتَمَلقُنا ويَكْرَهُنا.
المجانينُ لا نستطيعُ أنْ نشْتاقَ إلى أنْ يُنادُوا عليْنا بأسْمَائِنا
لكِنَّنا سَنَنْسَى أيْضاً ذلك.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة