ماتياس إينار.. عاشق الشرق

بين الشرق الملهم.. والشرق المؤلم
عبد اللطيف القرشي
عَشِقَ الشرق، وهامَ به، فتعلَّم لغاته، وعاش بين أهله وفي جغرافيته، ليكتشف شرقاً مختلفاً عمّا تعلَّمه في الكتب. وُلِد سنة 1972 في مدينة نيور، وسط غرب فرنسا، التي لا غرو أن الغافقي عبدالرحمن حطّ رحاله غير بعيد عنها، وهو في طريقه لمواجهة مارتيل شارل، على أبواب حصن بواتييه ذات أكتوبر من سنة 732، على رأس جيش من عرب الأندلس وأمازيغها. ولعل هذا الماضي البعيد هو الذي تفاعل في خيال الفتى ماتياس وهو يتصوّر «رماح الموريّين تلمع في حديقة بيت والديه»، ويقوده، بضع سنوات بعد ذلك، إلى دراسة الفنّ الإسلامي في مدرسة اللوفر، ثم العربية والفارسية في معهد اللغات الشرقية في باريس، ليكتشف شرقاً آخر غير ما كان يعرفه عنه إلى ذلك الحين، من خلال اطّلاعه المحدود على (ألف ليلة وليلة).
قاده حبّه للشرق وثقافاته، إلى جولات طويلة في مدنه وقراه، حيث انتهز فرصة إقامة طويلة في بلاد فارس ليدخل جامعة طهران، حيث أتقن لغة الفردوسي، وتعمَّقَ في دراسة رباعيات الخيّام ومنظومات السعدي. ومن طهران إلى قاهرة نجيب محفوظ، وبيروت، فدمشق، ثم تونس. تجمَّعت للشاب إينار، من خلال أسفاره في عوالم الشرق، مادّة أدبية ثريّة ومتنوّعة من الحكايات والقصائد والرحلات وأخبار الحروب والمعارك، من زمن السيف والرمح إلى عصر الدبابات والكيمياوي. هذه المادّة التي وظَّفها، وهو يطلّ على المتوسِّط، بشرقه وغربه، من شرفته في مستقرِّه الراهن، منذ الألفين، في برشلونة، لينظمها في عقد من الأسفار الأدبية التي حازت غير ما تقدير واحتفاء من قِبَل القرّاء والنقّاد من مختلف الأجيال والجغرافيات، بدءاً بجائزة القارات الخمس سنة 2004، وصولاً إلى جائزة غونكور سنة 2015، مروراً بجائزة كانديد سنة 2008، وغونكور طلبة المرحلة الثانوية سنة 2010.
نلمس في جلّ أعمال ما تياس إينار حضوراً لفصول من حياته وتجاربه الشخصية وأسفاره الطويلة التي حاول توظيفها من خلالها إعادة تركيب التاريخ الطويل والممتدّ للمنطقة، حافزه في ذلك حبّ الشرق والشغف به. من بين هذه الأعمال: (إتقان الرماية) عن دار أكت سود في باريس سنة 2003، (منطقة ( زون))، عن أكت سود سنة 2008، (حدِّثهم عن المعارك والملوك والفيلة) سنة 2010، (شارع اللصوص)، أكت سود 2012، وأخيراً (بوصلة)، سنة 2015 عن أكت سود، والتي توّجتها أكاديمية غونكور بأعلى جائزة أدبية في فرنسا.
من أعماله الأخرى نذكر: (صعود الأورينوك) سنة 2005، (أدعية الألعاب النارية)، 2007، (كحول ونوستالجيا)، سنة 2011، (الكلّ سينسى)، سنة 2013.
شكَّلَ الشرق، دائماً، بالنسبة إلى مؤسّسي الاستشراق الأوروبي، عالماً ساحراً وفاتناً، فقدَّموه- كما تخيَّلوه- شرقاً عجائبياً وغرائبياً، لكنّ في كتابات إينار المستعرب، حضوراً قويّاً ومختلفاً واحتفاءً عميقاً بالشرق، كما يعيش، وكما يحيا، اليوم: بأوجاعه ومآسيه، بأشخاص من دم ولحم، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويصارعون الزمن كما في أيّة بقعة من العالم، فتحضر التناقضات الاجتماعية والتناقضات السياسية وقضايا الحرّيّة، والهجرة والتطرُّف الديني، وغيرها من القضايا والوقائع.
تجري أحداث روايته الأولى (إتقان الرماية)، الصادرة سنة 2003، والتي نالت جائزة القارّات الخمس، في مكان ما، بدون اسم وبدون عنوان، حيث يستيقظ النهار على إيقاع الحرب، وينام على إيقاع الحبّ. عناصر كثيرة، في هذا النصّ، توحي بأن أحداثه تجري في بيروت زمن الحرب الأهلية، وهي مدينة عاش فيها الكاتب مدّة من الزمن، وخَبِرَ تفاصيل الحياة فيها، وجمع عنها- كما عن باقي مدن المتوسّط- وثائق وشهادات كثيرة، بما في ذلك شهادات عن تفاصيل الوقائع والأحداث والمعارك التي عاشها المقاتلون في فترة الصراعات الطائفية.
يقدّم لنا إينار شخصية فريدة، شخصية قنّاص، تتمحور حياته حول إتقان الرماية، ويصبح سلاحه جزءاً من حياته، بل عضواً من أعضائه أو- بالأحرى- امتداداً لجسده، حتى لا يكاد ينفصل عنه في أية لحظة من لحظات النهار أوالليل، ويدخل معه في علاقة جوّانية، كما يدخل هو في علاقة روحية وجدانية مع ضحاياه المفترضين. وكان يجب انتظار دخول ميرنا، الفتاة المراهقة ذات الخمسة عشر ربيعاً، حياةَ القنّاص، ليكتشف في ذاته افتتاناً أخر غير الافتتان بالرماية، ويقوده هذا الاكتشاف الكامن في دواخله إلى تقمُّص الآخر المختلف.
وفي (بوصلة) ماتياس إينار، يحضر الشرق، بشكّل مختلف عن أعماله السابقة، حيث أراد أن تكون روايته الأخيرة احتفاءً بجيل المستشرقين الأوائل: دولاكروا، وبيير لوتي، غوتييه لا مارتين… الذين يعتزّ بهم، ويسخر منهم، في الآن ذاته. هؤلاء المستشرقون الذين اخترعوا شرقاً يلائم ما كانوا يتوقون إلى رؤيته فيه، شرقاً مضمّخاً بالعطر ورائحة الصندل، شرق الفتنة والسحر والجمال، شرقاً روحانياً ومقبلاً على الملذّات، في آن معاً. لكن هذا الشرق لم يكن مطابقاً لواقعه: «فالشرق ليس سوى بناء ذهني ومجموعة من التمثُّلات، كلّ واحد يشكِّلها بحسب موقعه، ويغرف منها على هواه».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة