مخلوس

التحجر والجمود النفسي مرض يصيب الفرد والمجتمع والشعب والامة عندما تتعرض الى سلسلة من الهزات والزلازل على شكل كوارث تنهال فوق الرؤوس، مصيبة فوق مصيبة وكل واحدة تبز الاخرى، العن وأبشع من التي قبلها بحيث يتصخر العقل وينقفل، لا يرسل ولا يستلم ودائما يكون ضد نفسه لولا تدخل الغريزة العظيمة حارسة الحياة والجندي المجهول الذي يدافع بشجاعة اسطورية عن الشهيق والزفير، وعن البقاء في الحصول على الطعام والماء والحفاظ على النوع من الانقراض، يبرر تلك البسالة بعض العلماء لطول عمر الغريزة ملايين السنين أكبر من عمر العقل. كما يحدث التصحر العاطفي للمصاب بالتحجر والجمود النفسي لحد تناول الطعام ورأس صديقه الجندي مقطوع بقربه، لحد رؤية الاشلاء والجثث وبرك الدم على شاشات الفضائيات والناس تتعشى فلا ينهض أي فرد صدمه المنظر ليتقيأ. ودائما تسمع عبارات وجمل بليدة كأن حروفها حصو يفشخ( الله لا ينطيك أو الله لا يخليهم، أو الله ينتقم منهم، والله يلعنهم) تسمع مثل هذه العبارات المصخرجة أمام منظر مروع فاجع لطفل محترق بحضن أمه المحترقة، أو تسمعها منهم أمام مصيبة أب ذهب يشتري صمون من الفرن وحين عاد وجد عائلته مذبوحة. مثل هذه الجمل البليدة تصطف مع الجريمة وتنحاز للقاتل ولو يبقى الصمت وحده يجوب مكان الفاجعة أنبل وأعمق وأكثر شهامة وتعاطف.
ومع هكذا فرد ومجتمع وشعب وامة يراهن الاديب والفنان والكاتب ان يهز مشاعرهم بقصيدة أو مسرحية أو رواية أو مقالة أو دراما تلفزيونية لكنهم يصطدمون بجدار من الفراغ المطاطي بلا حسحسة ولا نأمة ولا صدى فتسقط كل ازهار وفراشات وطيور الفن والادب والكتابة في بئر سحيق بلا قاع. ولا يعرفون أين الخلل وماهية العلة برغم ان الغالبية العظمى من المثقفين مصابين بنفس الداء فتخرج نتاجاتهم من القلب الحجري وغابة الجمود فترتطم صلابيخ القصيدة بكونكريت المتلقي من دون ان يصدر صوت ارتطام ولا صدى جرح بل تغور في مجرة منفلتة من الجاذبية.
لا ينجو من مرض التحجر والجمود النفسي إلا المحارب الاسطوري وهو يدافع عن عقله أمام ملايين الاعداء المدججين بالغباء وأسلحة الهباء، ويدافع عن قلبه النابض بالحب والتعاطف مع الاخرين ومساعدتهم ويدافع عن الجمال أمام جيش القبح والآلات القاتلة، ويدافع عن ضميره أمام سوق القفاصين والقوادين عقائديا وسياسيا وثقافيا يتعاملون بعملة العهر الاسود ويتعبد فوق لسانهم العهر الابيض، لذلك يلجأ من تملص ونجا من الشعراء والروائيين والفنانين والكتاب، الى فن وكتابة الصدمة الكهربائية لعلها تفلح وتخترق فولاذ الجمود وتفتح بعض سجون الخلايا العقلية ليكتشف هذا المتلقي لأول مرة أنه بشر.
كنا اذا قتلوا عصفورا نقلب الدنيا وعندما قتلوا الموصل انصعقنا ولم نفعل أي شيء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة