سفيرة الجمال والإبداع.. وداعاً

يوم الخميس 31/3/2016 رحلت اسطورة العمارة، المهندسة زها حديد أثر نوبة قلبية مفاجأة، وبذلك يكون العراق والعالم قد خسر بهذا الفقدان الجلل، أحدى أروع شخصياته المبدعة، سفيرة الوجه الآخر للعراق، رحلت وهي في أوج العطاء الذي وهب العالم أفضل واجمل التصاميم، التي رصعت أشهرمدن العالم وعواصمه ببصماتها وعبقريتها الفذة. من دون أدنى شك انها ورغم الرحيل المفاجئ، لن تموت وستبقى عبر ذلك الارث المشرق الذي اهدته لعالمنا خالدة ومتوهجة أبداً. ولا يخفى على أحد ان الراحلة الكبيرة، وعبر مسيرتها المهنية والابداعية والعلمية قد كسبت اعجاب العالم وتقديره، ونالت أهم الجوائز العالمية المخصصة للابداع في مجال العمارة، وقد جرى تكريمها في غير مكان ومؤسسات علمية وحكومية، كان آخرها تكريم الملكة اليزابيث لها بارفع الاوسمة البريطانية.
بنت العراق وحاملة الجنسية البريطانية، هي سليلة عائلة عراقية موصلية سخرت كل امكاناتها ومواهب بناتها وابناءها من أجل العراق، عبر التفوق العلمي وسبل الابداع والابتكار في شتى المجالات. كان جدها الحاج حسين حديد (1863- 1958) من وجهاء الموصل وكان ناشطاً في قضية الدفاع عن عائدية الموصل للعراق خلال الخلاف الذي نشب بشأنها مع تركيا، أما والدها وزير مالية الجمهورية الاولى الاستاذ محمد حديد (1907-1999) فلا يحتاج الى تعريف، قال عنه الزعيم الوطني الراحل كامل الجادرجي: (من الأشخاص النادرين في العراق… اذ قلما تجتمع الثقافة والأخلاق مثلما اجتمعت في محمد حديد).
لقد أكدت زها حديد للعالم كله، ما أشارت اليه احدى الاستفتاءات التي نشرت مؤخراً حول مستوى الذكاء، والتي وضعت سكان هذا الوطن المنكوب من شتى الرطانات والهلوسات والأزياء على رأس قائمتها، رغم الظروف الظالمة والاستئنائية التي عاشوها وما زالوا يتخبطون وسط ركلاتها الهمجية والمتخلفة. ابنة المدينة التي حولتها الردة الحضارية الى وكر لاعتى العصابات الاجرامية والوحشية (داعش) والتي انتهكت بممارساتها وسلوكها كل تقاليد وارث المدنية والتسامح في المدينة التي اهدت العراق قافلة متوهجة من حملة الحداثة والتنوير؛ وضعت العالم أمام الوجه الآخر لتلك المدينة ولوطنها الذي استباحته عصابات التجهيل والردة الحضارية منذ اغتيال مشروع الجمهورية الاولى الى يومنا هذا. ان سيرة زها الشخصية والعلمية وما ارتقت اليه من ذرى في مجال صنع الجمال والابتكار والابداع، تؤكد حقيقة ان امكانات سكان هذه الارض غير محدودة، عند توفر الشروط الانسانية اللائقة والرعاية لورثة أحد أهم وأقدم الحضارات البشرية. وكما اجتمعت الثقافة والأخلاق بارقى صورها بشخصية والدها الراحل، كذلك أجتمع الفن والعلم بشخصية زها الفذة بشكل لا مثيل له، مثل هذه السبيكة الخلاقة، تلقي على عاتقنا جميعاً، وخاصة المعنيين في الحقلين الفني والعلمي، مهمة البحث والتعريف بمثل هذه المحطات المتوهجة، كي تتعرف الاجيال الحالية والمقبلة على الوجه الآخر للعراق، على الوجه المسكوت عنه، والذي ما زال يقبع في قعر اولويات الحيتان المهيمنة على مقاليد ومصائر هذا الوطن القديم. ارقدي بسلام واطمئنان بعد أن أوصلت للعالم كله اروع واجمل رسالة عن ما يرقد تحت رماد هذه التضاريس التي دارت فوقها أول عجلة وصدحت في اجواءها اول قيثارة.. وداعاً زها حديد.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة